هل سيموت التسويق

في ظل المساعي التي تقوم بها قوقل وفيس بوك وبعض الشركات الكبرى لإيصال الإنترنت إلى بعض الدول والمناطق التي لا يتوفر لديهم خدمة الإنترنت، فإنك ستعلم أن عدد مستخدمي الإنترنت في العالم في ازدياد مطرد، وهذا يحفز المزيد من التعاملات والتسهيلات الإليكترونية التي تقدمها الشركات والمؤسسات الحكومية وغيرها من المشاريع التقنية والتي بطبيعة الحال تعتمد على الإنترنت، مما يعني المزيد من المستخدمين لهذه الخدمات والمنتجات الإليكترونية، وهذا يولّد الكثير والكثير والكثير من البيانات التي يوفرها هؤلاء المستخدمون، خصوصاً إذا ما اعتبرنا أن موجة "إنترنت الأشياء" تكبر شيئاً فشيئاً، وقد لا يكاد هناك جهاز في المستقبل لا يتصل بالإنترنت ويشارك مافي جعبته من بيانات عن مستخدميه، ناهيك عن وسائل التواصل الإجتماعي والكم الهائل من المشاركات الآنية من المستخدمين، مع اعتبار المساعدون الصوتيون مثل ألكسا من أمازن، ومساعد قوقل وسيري من آبل وعدد ضخم من الأوامر الصوتية اليومية من بحث، إستفسارات وطلبات المطاعم والأغاني وغيرها، ومرة أخرى المزيد والمزيد من البيانات عن الناس، إستخداماتهم، تفضيلاتهم، رغباتهم، توجهاتهم، ما يحبون ومالا يحبون من أي شيء، وهذا تحديداً ما يبحث عنه كل مسوّق، ولكنه سيقف في نهاية المطاف عاجزاً عن استخراج بصائر وتحليلات لهذه البيانات مما يساعده في اتخاذ قرار تسويقي معين إلّا باستخدام الآلة والتي هي وحدها من يستطيع جمع، تحليل واستخراج البصائر والنتائج التي تساعد في اتخاذ القرار التسويقي المناسب وهذا يتطلب فهماً لكيفية عمل الآلة في جمع البيانات، وتحليلها وهذا عملٌ تقني بالدرجة الأولى أكثر من أن يكون تسويقي.

 

ولادة وظائف تسويقية/تقنية لسد الفجوة

لا يمكن أن تولد وظائف مثل "مدير التسويق والتقنية" "Chief Marketing Technologist" إلا لأن هناك فجوة بين التسويق والتقنية تكبر مع الوقت، سيضطر المسوّق إلى معرفة أكبر بالتقنية لينجز عمله لأنه وكما ذكرت أعلاه لن يكون هناك أي مصدر للبيانات دون تدخّل تقني لحصرها وتحليلها لكبر حجمها، وسيضطر المسوّق للتحالف مع التقنيين للتعامل معها والحصول على مايريد لاتخاذ القرارات، ولكن هذه القرارات ستصبح أكثر تقنية أو تقنية/تسويقية مع الغلبة والهيمنة للتقنية الأمر الذي يضيّق تدريجياً دور التسويق التقليدي أو على الأقل القرار التسويقي المجرّد من الجانب التقني.

صحيح، أعلم أن الهدف لمثل هذه الأعمال هو تسويقي، إلّا أن تنفيذه سيصبح تقنياً في غالب الأمر.

مثال

على سبيل المثال، عندما تبحث أنت وصديقك في محرك البحث قوقل بنفس الكلمات ولكن كلٌ من جهازه الشخصي، فإن نتائج البحث التي تظهر  لك بطبيعة الحال لن تكون تلك التي ستظهر له، وذلك لأن قوقل يعتمد على التقنية / الذكاء الإصطناعي / تعلم الآلة لمساعدة "المسوقين" في قراءة بيانات المستخدمين من خلال مواقعها وخدماتها مثل محرك البحث قوقل، جيميل، يوتيوب، الخرائط والخدمات الأخرى لتقدّم لك النتائج المرجوّة، وأنت كمسوّق، تحصل على كل هذه النتائج دون عمل أي شيء غير إضافة إعلانك على قوقل.

تخيّل كيف ستصبح هذه الخدمة وما شابهها من الخدمات خلال العشرة سنوات القادمة، مالذي سيحتاج المسوّق أن يفعله حيال ضمان نتائج تسويقية أفضل!! 

بالضبط.

لن يتطلب الأمر الكثير من "الفزلكة" والمهارة التسويقية التي يمكن أن تُطلب اليوم، ولكن على العكس، كلما عرف المسوق مستقبلاً بالتقنية وكان لديه المزيج التسويقي/التقني كلما كانت حظوظه أكبر.

 

 أنظمة وأدوات تسويق لعمل القليل من التسويق 

عندما تطلع على أنظمة وأدوات التسويق المقدمة من كبرى الشركات مثل قوقل، سيلزفورس Salesforce أو أدوبي Adobe وغيرها، ولو تلاحظ في مؤتمراتهم التي يعرضون فيها منتجاتهم وخدماتهم التسويقية التي تستهدف المسوّقين، تجد أنهم يتسابقون في أن يكون عمل المسوّق أقل، فتجدهم يكررون كلمة "One Click" أو عبارة "في متناول يدك" أو "دون الحاجة إلى ..."، هم يصنعون الذكاء في هذه الأنظمة بينما أنت تعمل وتفكّر أقل، وبالتالي قيمة أقل للتدخل البشري في صناعة القرار.

كليك كليك كليك، وحملتك التسويقية أصبحت جاهزة على الإنترنت، كليك آخر لزيادة الميزانية أو المدة أو تعديل الفئة المستهدفة، مرة أخرى، تخيّل كيف ستصبح مثل هذه الخدمات بعد 10 سنوات من الآن!!

بالضبط.

 

فهم التقنية كمسوّق

حتى نحافظ مستقبلاً على قيمتنا كمسوّقين، فإن فهمنا للتقنية و ما تصنعه من تحوّل لعادات المستخدمين وأسلوب حياتهم حيوي جداً، التحوّل التقني القادم كبير جداً خلال العشرة سنوات القادمة، ومعرفتنا بها مبكراً يجعلنا على استعداد للتكيف معها.

وليس من الحكمة اليوم أن يحصر المسوّق إطلاعه وقراءته على أخبار التسويق فقط ولكن الإطلاع الدائم على الأخبار التقنية مثل موقع aitnews.com فمن خلال التقنية نستطيع التعرف على عادات المستخدمين وتوجهاتهم وأسلوب حياتهم.

الآن سيتمكّن المستخدم السعودي من الدفع على الإنترنت من خلال بطاقات مدى مباشرة من حسابه الخاص، وهذا بحد ذاته تحوّل كبير أو دفعة ضخمة للتسوّق الإليكتروني في المنطقة مما سيشجّع على ولادة الكثير من المتاجر الإليكترونية والتعاملات الرقمية وهو بالتأكيد إنتعاش لهذا السوق الذي لطالما كانت تعاني منه المتاجر الإليكترونية ومن عادات الدفع التقليدية لدى المستخدم السعودي كالدفع عند الإستلام وما يلحقه من تبعات ومعاناة.

 

المحتوى لا يموت

أعتقد أن من أعظم مهارات المسوّق التي سيبقى لها زخم كبير هي قدرته على صناعة المحتوى، فقد تتغير منصات وأشكال وأساليب صناعة وتقديم المحتوى إلّا أن الطلب عليه كمهارة من المسوقين لن يموت.

وقد تحدّثت عن المحتوى في (ثيم 24 - منهجية الماركتر / المحتوى) بتدوينة "الثقب الأسود التسويقي".

ومع ازدحام وكثرة العلامات التجارية، فإن ما سيميز براند عن الآخر هو حضوره على الإنترنت بمحتوى ذا قيمة يصنع له مجتمعاً محبّاً له يمكن تحويلهم إلى مشترين عن اقتناع، ناهيك عن البراندينج وصناعة قيمة معنوية لعلامتك التجارية.

 

التصميم وتجربة العملاء سيبقيان للأبد

مؤخراً، لا أكاد أستطيع التوقّف عن التفكير في مدى عظمة وقوّة التصميم كأداة حلول يمكن توظيفها لتقديم حلول أعمال وتسويق وصناعة تجارب عملاء.

أرى أنه إستثمار كبير جداً لكل مسوّق أن يبدأ في فهم التصميم كأداة صناعة حلول، وتبني هذه العقلية الإبداعية في أنشطته التسويقية، ويمكنك الإستزادة والقراءة في هذا المزيج التسويقي والتصميمي من  (ثيم 26 - التسويق والتصميم) وتحديداً في تدوينة "سوّق كمصمم"

لا أعتقد أن هذا المفهوم قد أخذ حقّه اللائق به من الترويج خصوصاً في منطقتنا، وأعتقد أنه في حال تم فهمه بشكل جيد فسيكون أحد الأدوات الرائدة عالمياً، لأننا حين نتحدّث عن التصميم فإننا نتحدّث عن حلول تتمحور حول الإنسان ونفعه وحل مشاكله بشكل جذري بهدف صناعة حياة أجمل له.

 

لا أهدف إلى إثبات موت التسويق من عدمه في هذه التدوينة، ولكن هي فكرة أحببت مشاركتك التفكير فيها بصوت عالي.

قد قتل التسويق الإليكتروني التسويق التقليدي وقلل من سطوته وقيمته تقريباً كلياً، والآن نحن نعيش ثورة رابعة، تقنية بالكامل، سيتغير فيها تقريباً كل شيء من سلوكيات البشر، وبما أن التسويق مرتبط بسلوك الإنسان لذلك هو الآخر سيتغير .. وقد يكون بالكامل.