سوّق كمصمم

لدي هوس كبير جداً بالعمل بشكل إنساني، وتقديم نفع حقيقي، وأحب التجرّد من تقليدية التعاملات في البزنس وهي (اعطيك شغل .. وتعطيني فلوس .. نُقطة) وبطريقة صمّا معيار النجاح فيها هو "رضى العميل" وليس نفعه، نعم، قد لا يتقاطعان، وليس دائماً رضى العميل هو المعيار الصحيح، بل نفعه بشكل حقيقي، وجعل حياته، مشروعه، منشأته أفضل هو المعيار الأصح والأكثر منطقية بالنسبة لي.

ذكرت في إقتباس سابق في (ثيم 3 - الإنسانية في التسويق)

الإنسانية في التسويق - الماركتر

وحين أتأمل هذا، أجد أن هناك الكثير ممن يمتلك عقليتين في حياته، عقليه لحياته الخاصة، وعقلية لعمله، يعمل في الأولى على أعلى المعايير، وفي الثانية بمعيار الإنجاز فقط، ولو عمل الجميع بنفس العقلية الأولى لأصبحنا في عالم مزدحم بالسعادة.

وهذا ما يقدّمه مفهوم التصميم، وهو صناعة حلول تُبنى أساساً على الإحتياج الحقيقي للإنسان، فقط، وليس غير ذلك.

 

فجزء هام من عمل المصمم، أن يلتقي بالمستفيدين، ويقوم بدور الإستكشاف والمراقبة لهم في حال استخدامهم للمنتج أو الخدمة وأخذ البصائر والملاحظات وتحويلها إلى واقع، أو إلى خاصية جديدة في المنتج مثلاً، أو تقليل مراحل الحصول على الخدمة بدمج مرحلتين مع بعضها البعض مثلاً.

 

 

"التصميم ليس إدارة في شركة، بل عقلية"

هو عقلية لابد أن يمتلكها جميع موظفي الشركة المعنيين، ومنهجية تفكير، وأسلوب صناعة حلول، وأداة إستكشاف إبداعية في غاية التعاطف مع المستفيدين.

كبرى شركات العالم يطبقون هذا المفهوم كأداة رئيسية في صناعة تقريباً كل شيء، قوقل، آبل، نيتفلكس، بينتيرست وغيرهم الكثير، والتصميم هو تحديداً ما يجعل منتجاتهم أو خدماتهم قوية جداً وتلامس إحتياجك الفعلي.

 

السر .. كل السر في أن يتحول المسوق إلى صانع حلول

كما ذكرت في بداية هذه التدوينة، التصميم عقلية أكثر من كونه عمل مستقل، والسر كل السر في أن يتحول المسوق من مسوق تقليدي "مرقّع" إلى صانع حلول.

وهناك فرق كبير بينهما، المسوق التقليدي "المرقّع" حين يقوم بعمل المهمة بشكل مستقل دون الأهتمام بمدى تكامل هذا العمل مع أهداف الشركة الإستراتيجية، هويتها، مشاكلها الحالية، إمكاناتها وغير ذلك، أما المسوّق صانع الحلول فلا يقوم أبداً بالبدء بتنفيذ مهمة تسويق قبل التأكد من أن هذه المهمة تحل المشكلة الرئيسية من الأساس وتُنهي إحتياج الشركة إلى هذه المهمة مرة أخرى.

وعلى سبيل المثال، تحدّثت معي مسوّقة من شركة محلية كبيرة، وكان طلبها محدد جداً وهو أنها تريد أن تغير محتوى وصوفات لمنتجات معروضة في الموقع الإليكتروني الخاص بالشركة، فكنت أسألها عن سبب رغبتها في تغيير هذا المحتوى التعريفي بالمنتجات، وهل هناك مشكلة ما اضطرتها إلى تغيير المحتوى؟ فكانت تقول أن المبيعات منخفضة، والمحتوى قديم وترغب في تجديده، فقمت بسؤالها عدة أسئلة ومن خلال الحوار اتضح أن المشكلة إطلاقاً ليست في المحتوى، بل أن منهجية التسويق للشركة ككل لم تكن مناسبة، فقد كان هناك ضعف في الترويج للمنتجات، وضعف كبير في التواجد على منصات التواصل الإجتماعي، كما أن المنتجات تستهدف الشركات بدرجة كبيرة وليس هناك أي أنشطة ترويجية تستهدف الشركات. إذاً المشكلة لم تكن في المحتوى، بل كانت أكبر من ذلك.

المسوّق الحقيقي لا يقدّم خدمات مغلّفة (عليها تاق السعر)، ولكن هو يصنع حلول، ويقدّم خدمات تتكامل مع الشركة ككل.

وهنا يأتي دور عقلية التصميم.

 

ما هو التصميم

إطلاقاً، تماماً، كلياً، "نِڤر"، انا لا أتكلم هنا عن التصميم الجرافيكي كما يتبادر مباشرة لذهن البعض، ولكن أتكلم عن مفهوم، أسلوب، طريقة تفكير، عقلية، منهجية لصناعة الحلول يُستخدم فيها نفس الطريقة التي يفكر فيها المصمم وتسمى "التفكير التصميمي"، ولكن تعمدت أن أطلق عليها كلمة "التصميم" في هذه التدوينة لأنها هي الكلمة الدارجة عالمياً لهذا النوع من الممارسات، وينبغي كفرد يعمل في مجال الأعمال بشكل عام في هذا العصر أن يتبادر إلى ذهنه أولاً "صناعة الحلول" عندما يسمع كلمة "التصميم" إلا إذا تم تحديدها بكلمة "الجرافيكي" أو غيره.

ولكن ما هو التصميم

التصميم هو منهجية صناعة حلول يتم العمل فيها على مراحل :

- فهم المشكلة

- التعاطف (رؤية المشكلة وتحديدها من وجهة نظر المستخدم الفعلي تحديداً)

- خلق الأفكار وفلترتها

- النمذجة (صناعة نماذج فعلية يمكن تجربتها للأفكار التي تم اختيارها)

- الإختبار (إختبار النماذج بشكل فعلي مع المستهدفين المحتملين الحقيقين)

- التعديل والتحسين (بالإعتماد على الملاحظات من الإختبار)

الجميل والمختلف في هذه المنهجية من العمل هي أنها تتمحور حول الإنسان، المستخدم النهائي الفعلي للمنتج أو الخدمة، كما أن هناك مجال كبير لتفادي الحلول "العرجاء" وغير المكتلمة، أو تلك التي تتفاجأ لاحقاً بعدم فاعليتها، لأنها الحلول التي تُصنع بالتصميم تُبنى على احتياج فعلي وليس هناك أي تخمين أو "فلسفة" فعند مراقبة المستخدم الحقيقي للمنتج أو الخدمة تُؤخذ من هناك الملاحظات ليتم تحويلها بعد ذلك إلى حلول مستدامة.

 

كيف يتكامل التسويق والتصميم

كما ذكرت، التصميم أداة أو منهجية تفكير، إذاً يمكن استخدامه وتوظيفه في أي مجال، ويتكامل بطبيعة الحال مع التسويق ولكن في حالة واحدة، إذا كان المسوّق يعمل بعقلية صناعة حلول أكثر من تنفيذ مهام فقط.

فمثلاً، أنت كمسوّق، لا يمكن أن تعمل شيء ما إلا وله صلة بمشكلة أو احتياج ما، وهنا تبدأ التصميم، 

- تحدد المشكلة أو الإحتياج

- تفهم وتتعاطف مع المستخدمين المستهدفين بسؤالهم والحديث معهم وفهم رغباتهم والتحديات التي يواجهونها

- ثم تبدأ بالعصف الذهني وتوليد الأفكار (الكثير منها)

- ونمذجة وتصميم الحلول من الأفكار التي تم اختيارها 

- اختبارها بشكل فعلي وأخذ الملاحظات 

- تعديل الملاحظات ومن ثم الإطلاق النهائي

فالمسألة كلها تدور حول أن هناك مشكلة أو تحدي معين، وتقوم أنت بحله عن طريق التصميم، ولكن من وجهة نظر مسوّق يهدف إلى بناء علامة تجارية، التموضع، جذب عملاء جدد، زيادة المبيعات، الإعلان أو غيره.

 

هل سيموت التسويق على يد التصميم

مؤخراً أفكر كثيراً في هذا الفكرة، خصوصاً مع القوة التي يمتلكها التصميم في صناعة حلول قوية تكاد تكون خالية من الأخطاء، وفي حال تبنّت شركة ما مفهوم التصميم بشكل واضح ومؤثر فإن ذلك حتماً سيعطي التصميم دور البطولة بدلاً من التسويق، وسيكون المسوّق أحد أعضاء الفريق.

وبرأيي، الشركة التي يقود فيها التصميم أكثر من أي شيء آخر هي منظومة ذكية، مترابطة، متكاملة، تصنع حلول ذات عمق واستدامة كبيرة جداً، لأن التصميم يحتّم تواجد فريق بخلفيات مختلفة، فقد يعمل معاً المسوق، المصمم، المعماري، الكهربائي، الميكانيكي، مطور المواقع، مصصم الجرافيك، وحسب المشروع الذي يعمل عليه الفريق كلما كان هناك تنوع يلبي كل جوانب المشروع كلما كانت الحلول أقوى وأكثر شمولية.

وحده التصميم من يمتلك الطاقة الإستيعابية لهذا التنوع، وليس التسويق، وكما ذكرت هو أداة ومنهجية، وبذلك هو الذي يمكن له أن يقود ويملي ما على التسويق فعله.

دائماً نحن بحاجة للتسويق، ولكن إن لم يقدّم التسويق ميزة مختلفة خلال السنوات القليلة القادمة فقد يضمر بين مطرقة التصميم وسندان التقنية.

ومن جانب آخر كذلك، أرى أن التسويق كوظيفة مهدد كثيراً بالتقنية، فالآن نرى ولادة لوظائف مثل رئيس التسويق  والتقنية Chief Marketing Technologist وهو حلقة الوصل بين إدارتي التسويق والتقنية، مما يعني ازدياد ارتباط التسويق بالتقنية، مما يعني أنه في مرحلة ما (حتمية) سيصبح المهارات المطلوبة من المسوق تقنية بحتة، وهنا المشكلة. فقد لا يُطلب مؤهل/تخصص تسويق لهذا النوع من العمل، فحجم البيانات أصبح كبير جداً، وأصبح التحكّم بها وقرائتها مربوط بالآلة فهي وحدها من تستطيع قراءة وفهم وربط هذه البيانات بعضها ببعض، فأصبح المهارة المطلوبة لمن يعمل على هذه التقنيات مهارة تقنية أكثر منها تسويقية.

 

التصميم كفريق وليس كفرد

حين نرغب في تصميم هاتف ذكي، فإن هناك جوانب مختلفة جداً في هذا المشروع لا يمكن تجاهلها إذا أردنا تصميمه بشكل إحترافي.

فهناك الداخلية، البطارية، الشاشة، الكاميرا، مكبرات الصوت، الشحن، حجم الجهاز، تصميمه الخارجي هذه جوانب مختلفة تتطلب تخصص مميز ومختلف عن الآخر.

تماماً عندما نعمل على تصميم حل لمشكلة ما، فلا يمكن لمشكلة أن يكون فيها جانب واحد فقط 100%، فهناك جوانب أخرى مرتبطة به.

وعلى سبيل المثال، إذا أدراد مطعم البيك أن يحل مشكلة الإزدحام الشديد خصوصاً عند فتح الفروع، وسرعة تقديم الخدمات، فإن هذا قد يتطلب تخصص التصميم الداخلي فقد تكون المشكلة في المساحات الداخلية وطريقة تصميمها، أو التقنية .. فقد يتمكن المطعم من تقديم خدمة الحجز المسبق مثلاً قد لا يستخدمه الكل ولكن بالتأكيد سيساعد في حل المشكلة، وقد يكون التصميم الجرافيكي في الصورة كذلك فقد يكون أحد الحلول هو تصميم إشارات أو إيماءات تحدد مسار الزبائن بشكل سلس وأكثر مرونة، وقد يتدخّل الطباخ ويقول أن طريقة الطهي تأخذ أكثر من اللازم وقد يصل إلى حل يسرّع في عملية الطهي والتقديم ... وهكذا.

فلا يمكن أن تصل إلى النتائج المرجوه من التصميم وحدك، ولكن لابد من تدخل المجموعة متنوعة الخلفيات بما يخدم المشروع.

 

الماركتر والتصميم

أفكر كثيراً في هذه الآونة بأن نكون مرتبطين أكثر بالتصميم، وذلك لأن أحد قيم الماركتر الرئيسية والجوهرية هي "القيمة الإنسانية الحقيقية" وأرى أن التصميم سيساعدنا كثيراً في تحقيقه.

وكما نذكر دائماً في عروض العمل التي نرسلها لعملائنا أن التفكير التصميمي أحد الأدوات التي نستخدمها دائماً في صناعة الحلول، فالمزيد من ذلك في ممارساتنا سيعود بالنفع الحقيقي لعملائنا.

في المرحلة القادمة من مشروع الماركتر، سيكون لنا ارتباط واضح ومعلن بالتصميم، ففي هذه المرحلة الآن أقوم بدراسة هذا التوجه بعمق شديد حتى نصل إلى "مودل" خاص بالماركتر في هذا الشأن.

 

كلما تجرّدنا من الماديّة في العمل، وأصبحنا نعمل لنصنع السعادة بإنسانية وبمنطقية كلما كان العالم أجمل.