الثقب الأسود التسويقي

لو تدرك العلامات التجارية والشركات مدى قوّة وتأثير المحتوى على عملائها ومستهدفيها لما رأينا هذا الضخ الأهوج من الأموال في الإعلانات التجارية ذات التأثير المحدود.

 كنت أستمع مرةً إلى بودكاست "SPOS" وبالتحديد إلى حلقة بعنوان "قتل التسويق"، يقول فيها الضيف:

يفترض أن لا نسوّق مباشرةً لمنتجاتنا وخدماتنا، ولكن نسوّق ونعلن للمحتوى الذي نقدّمه، ونستثمر فيه، ومن خلال ذلك المحتوى نعلن وبشكل غير مباشر عن خدماتنا في السياق الصحيح وللمستهدف المهتم فقط.

وأرى أن هذا المبدأ قوي، مؤثّر وفعال للغاية، طبعاً، إذا كان المقصد هو التأثير، وليس فقط "شطب" أحد مهام اليوم، والتغنّي والتباهي بإنجازها، وأرى هذا جلياً من خلال مشاهدتي للكثير من الإعلانات التجارية والتي لا أجد في نفسي تسائلاً أكثر من "ما أعرف أيش تبغى" وذلك لضعف المادة، بالتالي ضعف التأثير.

قبل أن أبحر في هذا المحيط الكبير، محيط المحتوى، دعني آخذك إلى البداية.

 

لا يخلو براند من المحتوى

كما لا يخلو بيت الذئب من العظم، فلا تخلو علامة تجارية من المحتوى، المسألة هي مسألة "من أين تؤكل الكتف!".

وكما يتردد "كل علامة تجارية عبارة عن شركة إعلامية أولاً .. وثانياً تبيع منتجات أو خدمات" وكل شركة لابد وأنها تعمل في صناعة أو مجال، وكل صناعة مجال فيه الكثير والكثير مما يُقال من وجهة نظر البراند وأسلوبه الخاص.

المشكلة تكمن في نظري في أن نتائج المحتوى بعيدة المدى، ورئيس التسويق يبحث عن ما يحمي مؤخرته أمام رئيسه الذي لا يفهم إلّا لغة "الأرقام = الفلوس" وهنا تحصل الكارثة.

لا أستهدف بهذه التدوينة من يتحوّل بؤبؤ عينه إلى علامة الدولار ($) حين يسمع عبارة "تسويق" ولكن أستهدف من يؤمن أن بحجم العطاء الصادق تكون العوائد، وكما قلتُ سابقاً، ليس هناك أسخى من علامة تجارية يُحبّها الناس.

 

المحتوى قيمة أولاً .. تسويق ثانياً

نعم، هذا ما أؤمن به، هناك فرق كبير وشاسع جداً بين جودة المحتوى الذي يُقدّم من أجل جذب المستهدفين ولفت انتباههم فقط، وبين ما يُقدّم لتقديم قيمة حقيقية لهم، تُحترم فيها الصنعة وعقلية المتلقّي.

وهنا خيطٌ رفيع، يراه المُلهَم، ويتلخّص في أحد إقتباساتنا الماضية في (ثيم 3 - الإنسانية في التسويق)

أن تصنع وتقدّم محتوى ذا قيمة حقيقية يلمسها المستهدفون، وتأكّد، كلما زادت القيمة، كلما ارتفعت العوائد.

 

المحتوى والتسويق الوارد

تحدّثت سابقاً عن التسويق الوارد في تدوينة "الكونسبت 016 - التسويق الوارد" وأن المحتوى جندي الصف الأول له، وعن تجربة، ليس مثل العميل الذي يصل إليك ويتعامل معك عن اقتناع، ولا يمكن أن تقنع العميل بك قبل الوصول إليك إلا عن طريق المحتوى.

المحتوى القيّم عالي الجودة، ذو النفع الحقيقي مقنع للغاية لاتخاذ خطوات أقرب إلى الشراء، كما يزيد من معدّل الثقة والإعتمادية، وكذلك يقوّي الارتباط العاطفي بين العميل والبراند وبالتالي فرصة أكبر للشراء.

 

 

المحتوى من أقوى وسائل البراندينج

"تكلّم حتى أراك"، المحتوى وأسلوبه يعمل بشكل كبير على تموضع البراند التموضع الصحيح، فالعبارات، التصاميم، التصوير الإخراج كلها تتحدّث عنك ليراك جمهورك من خلالها.

أحد عناصر الهوية المؤسسية هي "أسلوب التواصل" والذي يحدد المستهدف من خلاله شخصية البراند وأسلوبه، لذلك كلما كثر المحتوى كلما كان المستهدف أقدر من أن يحدد من أنت، وأن يموضعك التموضع الصحيح.

مالذي يجعلك تتوقع أسعاراً عالية من براند والعكس من براند آخر، من خلال المحتوى الذي يبثوه لك، أسلوبه، طريقة تصميمه، عباراته ... أي المحتوى وليس غير ذلك.

 

منهجية الماركتر في صناعة المحتوى

ليس هناك إطار واحد للمحتوى، فالأمر يعود إلى وضع الشركة المستفيدة من الخدمة ووضعها الحالي، ولكن هناك مستويات نتأكد منها وحداً تلو الآخر لنتمكن من معرفة إحتياج الشركة الحقيقي للمحتوى.

 

1/ الإستراتيجية والهوية

نعتمد في تقديم خدمة المحتوى على (الإستراتيجية) و (الهوية) الواضحة لدى الشركة، لأننا نؤمن بأن التسويق عملية تكاملية تعضد بعضها البعض، ولكي نحقق ذلك، فإننا نبني جميع خدماتنا على بعضها لنتأكد من أن كل عمليات التسويق للبراند مترابطة وتتكامل بصورة فعلية.

كما جعلنا خدمة المحتوى الخدمة الثالثة، وذلك بعد اكتمال رؤية البراند الإستراتيجية والوضوح في التوجه ونموذج العمل، وكذلك بعد أن امتلك البراند شخصية وقيم وثوابت ولباس جميل، فقد حان الأوان أن يخرج للناس ويتحدّث لهم.

 

2/ البنية التحتية المعرفية

نرى أنه من حقّ أي زائر يزور وجهتك، موقعك، حسابك على مواقع التواصل الإجتماعي، أن يعرف أساساً من أنت، وماذا تقدّم بشكل كامل وواضح.

نسمي هذه المرحلة بالبنية التحتية المعرفية، وذلك لأنها "أم المحتوى" أو "ألف باء المحتوى" وهي تشمل كل ما يلزم المستهدفين معرفته عنك وهو ما يُعرف بـCompany Profile أو ملف الشركة التعريفي والذي يشمل بشكل عام:

- من أنت؟

لمحة عن شركتك، مشروعك أو أنت، يعرف فيها المستهدف الفكرة الأساسية للمشروع، ويفترض أن تكون هذه المعلومة هي أول ما يجده المستهدف حين يلتقي بك بزيارة موقعك أو حسابك على مواقع التواصل الإجتماعي.

- ماذا تٌقدّم؟

منتجاتك، خدماتك، بمسمياتها، خصائصها، ميزاتها وشخصياتها والقيمة التي تقدّمها للمستهدف.

- كيف يمكن للمستهدف أن يستفيد مما تقدّم؟

قبل الإهتمام بالعبارات الإبداعية والجذّابة، تأكد أن ما يُذكر هنا واضحاً جداً للمستهدف، لأن ما يُقال هنا هو تحديداً ما يبحث عنه، فكلما كنت واضحاً كلما كان ذلك أكثر إقناعاً.

- كيف يمكن للمستهدف أن يتواصل معك؟ أو يشتري منتجاتك/خدماتك؟

قد يقتنع المستهدف ويرغب في الإنتقال إلى المرحلة التالية، أو قد يتسائل عن أمر ما غير واضح في المحتوى، فهل هناك توجيه واضح له لكيف يمكنه التواصل معك!

وهنا تمهيد للثيم القادم (ثيم 25 - منهجية الماركتر / تجربة العملاء) وهو آخر ثيم في هذه السلسلة، حيث يتحدّث عن تصميم تجربة العملاء، وتحديد نقاط الإلتقاء والتي غالباً ما تكون بعد رؤية المحتوى والرغبة في التواصل معك للمرحلة التالية سواءاً الشراء أو التعرف أكثر، وعن التجارب التي يمر بها خلال ذلك.

أعود للبنية التحتية المعرفية، والتي يمكنك حصرها في ملف تعريفي واحد ومفصّل، يمكن للمستهدف تحميله وقرائته في حال رغبته لمعرفة التفاصيل، على أن لا نعتمد عليه بشكل كلّي، ويفترض أن يحصل المستهدف على كافة المعلومات الرئيسية واللازمة لاتخاذ قرار الشراء من الموقع مباشرة دون تحميل أي ملف أو التواصل مع أحد.

 

3/ المحتوى الترويجي (عند الإطلاق)

في هذه المرحلة نتأكد ما إذا كان البراند قد قدّم ما يلزم من محتوى ترويجي، إذا كان البراند أو المنتج/الخدمة في مرحلة الإطلاق، فالمستهدفين لا "يشمّون على قفا أياديهم" ولا يعلمون عن منتجك/خدمتك الجديدة، لذلك لابد لهم أن يعرفوا عن ذلك.

وتقل كثيراً أهمية هذه المرحلة عند اكتمال المرحلة التالية.

 

4/ المحتوى لبناء مجتمع

هذا ما أُحب تسميته بـ"الثقب الأسود التسويقي"، الثقب الأسود هو بقعة في الفضاء تمتلك جاذبية هائلة جداً تجذب كل شيء إلى داخلها حتى الضوء، كذلك هذا المحتوى، فعندما يتوفّق البراند في بناء مجتمع حول هذا المحتوى فقد امتلك قوّة جذب كبيرة جداً إلى كل ما يريد من عملائه المخلصين له مقابل هذه القيمة الكبيرة التي يجدونها لديه.

ليكن مدونة، بودكاست، قناة على اليوتيوب، حساب إجتماعي، ليكن ما يكن، ما اتحدّث عنه هنا القيمة الحقيقية التي يلمسها الجمهور.

حين تمتلك مجتمع  محب، فأنت تمتلك قوّة، ولا أقوى من جمهور مؤيّد ومناصر لك، يؤمن بصوتك ولما تقف له، وتروق لهم وجهة نظرك، ويعجبهم أسلوبك الفريد المختلف.

 

أطلب خدمة المحتوى