الفجوة بين الإعلان والواقع

أتسائل كثيراً مؤخراً، هل يمكن لبراند معين أن يبقى ويصل إلى مستهدفيه دون أن يضطر لدفع مبالغ كبيرة في الإعلانات والتي عادةً تكون ذات تأثير قصير المدى وتُنسى سريعاً ولا تكون ذات فائدة بعد عدة أيام من إنتهاء الحملة!!

وأتسائل كذلك، هل تُعلن العلامات التجارية لتصنع قيمة حقيقية وفرقاً وتستهدف وتجذب شريحة معينة ومحددة، أم هي فقط تعلن لتنجز أحد أهم مهام هذه السنة (كما في إجتماع الـ"C-Suite" الإدارة العليا الأخير)!

هل هناك دراسة حقيقية مستفيضة ومفصلة للشريحة المستهدفة وكيف ترى هذه الشريحة الحياة، وما هو واقعها الحقيقي أم أن الإستهداف عام لشرائح واسعة يتم تحديدها فقط بفئات عمرية، الجنس، المستوى المعيشي، ومن ثم قولبة وحشو مادّة إعلانية في هذا القالب!

كل هذه التساؤلات تقودني إلى التساؤل الأهم، وهو:

هل يمكن أن تكون الإستراتيجية التسويقية الرئيسية (أو الوحيدة) لبراند معين هي المحتوى والتسويق الوارد فقط دون الحاجة للظهور للمستهدفين (وغير المستهدفين) في إعلانات يصعب قياس العائد منها على وجه التحديد!
 

الفجوة بين الإعلان والواقع

أو كما يقول المثل المصري الشهير "أسمع كلامك يعجبني .. أشوف عمايلك أستغرب" لأن الإعلان ليس إلا لجذب عملاء إلى المنتج/الخدمة/البراند لذلك لابد أن يكون على قدر كبير من الجاذبية والقوة، إلّا أن المستهدف من الإعلان لا يهمه الإعلان أكثر مما يرى بعد الإعلان، ويهمه الوعود التي يعدها له البراند من خلال الإعلان هل هي ذاتها التي سيراها على الواقع!

وقد تعودنا حين يظهر إعلان في التلفاز أن نسمع كلمة "كذابين" لأن هناك دائماً فجوة بين الإعلان (المبالغ فيه عادةً) وبين الواقع الذي يعيشه العميل وهو الذي يهمه بالدرجة الأولى.

كما أن الإهتمام الزائد بالإبداعية Creativity يحوّل الكثير من الإعلانات التجارية إلى المجال الفني أكثر فتصبح تميل إلى الخيال أكثر منها إلى الواقع وهنا تزداد الفجوة وحجم المفاجأة والإحباط على الواقع (لأن حجم الإحباط = حجم التوقعات). 

ومن الظريف بالنسبة لي أني أحياناً أقع على كثير من الإعلانات الإبداعية والرائعة من حيث القوة في التصميم والرسالة إلّا أني حينما أتأمل وأفكّر قليلاً لا أجد الإعلان يدفع العميل للشراء بأي حال من الأحول وكأنها لوحة فنية، ومن المضحك أن يٌعجب المستهدف بالإعلان جداً ولكن لا يدفعه هذا الإعلان لا للشراء ولا حتى إلى أن يتذكّر العلامة التجارية ولا يزيد من قيمتها المعنوية لديه أو ما يُسمى بـBrand Equity وهنا يتضح لي أن البراند قد ركّز بشكل كبير جداً من خلال شركة التسويق التي قامت بالعمل على الجانب الإبداعي بشكل طغى على الجانب التسويقي والقيمة الإنسانية للمستهدفين.

 

الإعلان يأتي بالغث والسمين

وهنا يكمن الفرق بين الإعتماد على الإعلانات وبين الإعتماد على التسويق بالمحتوى والتسويق الوارد في جذب وإقناع عملاء جدد.

من تجربة شخصيّة، هناك فرق واضح بين نوعية العميل الذي يصل إلي من إعلان وبين العميل الذي يصل إلي من خلال المحتوى. العميل الذي يصل إلي عن طريق المحتوى دائماً يكون على قدر كبير من الثقة والإعتمادية والقرب عاطفياً إلي وإلى فهم أسلوب العمل وطريقة التفكير وغالباً يكون سبب وصوله هو التشابه في التوجّه أو أننا نؤمن معاً بشئ واحد إلى حد كبير.

بينما العميل الذي يصل عن طريق الإعلان يأتي ولديه الكثير من التساؤلات والشكوك، لتبدأ بعد ذلك رحلة إقناعه بك وبكفائتك وأنك الخيار الأنسب له.

لذلك إستراتيجية التسويق بالمحتوى أو التسويق الوارد تعمل كمصفّي (فلتر) للعملاء غير المرحب بهم، أو من لا يؤمن بأسلوب عملك وأفكارك، أو حتى من ليس لديه القناعة الكافية بأسعارك العالية والقيمة الحقيقية المقابلة لها.

 

الوضوح أم الإبداعية!

يرتبط الإعلان كثيراً لدى المسوقين بالإبداعية، وغالباً ما نقيس الإعلان بمدى إبداعيته في تجسيد الرسالة بصورة ذكية وإبداعية.

ولكن

ماذا لو كان هناك إعلان ليس فيه الكثير من الإبداع، ولكن يمتلك من الوضوح الذي يجعل المستهدف يعرف جيداً الرسالة المراد إيصالها له، والفائدة التي يقدمها هذا المنتج/الخدمة في الإعلان، وما هي الخطوة التالية التي يجب على المستهدف إتخاذها للإستفادة من المنتج أو التعرف عليه أكثر! 

وهنا أتسائل، هل نقايض الإبداع بالوضوح دون أن نشعر! وأقول لمن يقول "يمكننا أن نكون واضحين ومبدعين في ذات الوقت" أن الوضوح أولاً، ولو الإبداع ثانياً.

 

التحدّي يأتي بعد الإعلان

بعض الأسئلة التي تردني من خلال خدمة كونسلتر للإستشارات التسويقية الهاتفية، أحدهم يسأل يقول أنه قد أعلن يوماً عن خدمته عند أحد المؤثرين الذين يملكون عدداً كبيراً من المتابعين، وكانت النتيجة مذهلة لمدة أسبوع ولكن بعد ذلك انخفضت المبيعات لديه من جديد، بعد النقاش اكتشفت أنه لا يملك أي نظام لخدمة أو تجربة العملاء لهذا العدد الكبير القادم من هذا الإعلان!! وليس هناك أمر مختلف أو قيمة حقيقية تحافظ على هؤلاء القادمين (الجدد) ليعاودوا الشراء من جديد أو أن يتحدّثوا عن تجربتهم لدى هذا البراند!! ويعتقد أن الحل في أن يُعلن مرة أخرى ليعيد نفس (السيناريو) من جديد!

ماذا لو استثمر هذا البراند المبالغ التي يدفعها في الإعلان لتقديم محتوى (مستدام) على أحد شبكات التواصل الإجتماعي ليصنع له جمهوره الخاص (Persona) ليعيش معه توجهاته وأسلوبه الخاص والفريد، أو أن يستثمر في تجربة العملاء في نقاط إلتقاءه مع عملائه ليصنع عمقاً بدلاً من التوسّع، حينها، كم إحتمالية أن يخسر عميلاً عاش معه هذا الجمال في التعامل، أو التقنية المتقدمة، أو المحتوى القيّم، أو الخدمة ذات القيمة الحقيقية والعميقة!!

 

الإستثمار الحقيقي في تجربة العملاء

العبارة التي أحب أن أؤمن بها في التسويق هي:

المنتج القوي أمر بديهي، التحدّي الحقيقي في تجربة العملاء.

مهما كان الإعلان قوياً، يبقى ما يبحث عنه العميل هو "تجربة العملاء" وتسمّى تجربة لأن العميل يجرّبها ويعيشها، لأن المشروع أياً كان، هناك دائماً نقاط إلتقاء بالعميل، الموقع الإليكتروني، التواصل المباشر، حساب التواصل الإجتماعي، تجربة الشراء، خدمة العملاء، آلية الدفع، آلية الإسترجاع، آلية تقديم الخدمة، جودة الخدمة وفائدتها الحقيقية للعميل وتختلف نقاط الإلتقاء حسب المشروع، فعندما نحدد بوضوح نقاط الإلتقاء، ونصنع (بإنسانية) نظاماً يضمن تجربة (سهلة، سريعة وممتعة) للعميل هنا يُصنع الفرق، ويبقى الوقت فقط هو ما يفصلك عن صناعة عملاء يحبّون علامتك التجارية ويحبون معاودة الشراء ويسوّقون لك لعملاء آخرين.