نفَس عميق

شريط التدوينة.jpg

ألا تتسائل أحياناً لماذا بعض الحلول التسويقية ليست حلولاً مستدامة وليست ذات قيمة حقيقية يلمسها ويقدّرها المستهدفون!

و لماذا نشعر في بعض الأحيان أننا لا نتقدّم خطوات بعيدة من خلال الأنشطة التسويقية التي نقدّمها!

أو ما السبب في تكرر المشكلة ذاتها!

أو لماذا تتشابه الحلول إلى حد كبير، ولا تمتلك قيمة فريدة تجعل المستهدف يتوقّف للحظة يتأمل عمق جمالها، وقيمتها الكبيرة له، ويشعر فعلياً أن هناك فريقاً قام بالعمل عليها بشكل مركّز وعميق و "إنساني"!

أو مالذي يجعلنا دائماً "نركض" في اللحظات الأخيرة ودائماً نقلق من أن لا تكون الأمور على مايرام، أو أن نخشى أن ننسى ونغفل عن تفاصيل صغيرة مهمة وذات تأثير عالي!

 

إطار القيمة كبديل لإطار الوقت

هي فكرة تكبر في ذهني مؤخراً، وأقوم باتباعها (بشكل غير مباشر) في خدمات التسويق التي أقدّمها من خلال الماركتر (الإيجنسي)، ولكن ما الذي أعنيه بالعمل بإطار القيمة بدلاً من إطار الوقت!

 

العمل بنفس عميق بإطار القيمة أي أن يكون المعيار الرئيسي والأول لإنجاز العمل هو اكتمال القيمة المنشودة وحل المشكلة بشكل جذري وليس مجرد إنجاز العمل في الوقت المحدد.
 

وأن نسبة كبيرة جداً من التركيز في العمل على القيمة دون إعطاء إهتمام كبير لوقت تسليم العمل، أو على الأقل التأكد أن لا تكون المدة المحددة للعمل سبباً للإستعجال في اتخاذ القرار بأي شكل من الأشكال.

الحلول التسويقية متشعّبة ومرتبطة بأمور كثيرة تخص البراند، السوق، المستهدفين، التوجهات الجديدة (Trends) ناهيك عن الإبداعية والتفرّد المطلوب لكي يتميز البراند وأنشطته التسويقية عن غيره بالإضافة إلى القيمة الحقيقية الإنسانية التي نود تحقيقها للمستهدف، لذلك أرى من الظلم قياس أداء المسوّق أو وكالة التسويق على أساس "موعد الإنجاز" والسرعة أكثر من القيمة والحل الإستراتيجي حيث أن الحلول السريعة تكون دائماً على حساب إستراتيجية الحلول وقوّتها ومدى نفعها وتماسكها مهما كانت قوّة النتائج التي وصل إليها المسوّق في المدة المحددة فهناك دائماً خيارت أكثر وأمثل وتفاصيل جميلة تضيع في خضم التركيز على الموعد المحدد.

 

هل المقصود العمل بدون مدة محددة؟

المقصود أن تكون الأولوية الأولى في العمل والقياس للقيمة والجودة وليس سرعة الإنجاز.

فلابد من إطار زمني للعمل، ولكن المقصود أن يكون الوقت مرن بينما اكتمال القيمة والجودة هي الثابتة، وهو الذي يحكم سير العمل ومواعيد اكتماله.

 

كيف يمكنني التوفيق بين إطار القيمة وبين إطار الوقت؟

سؤال (يسدح) نفسه بالتأكيد، وبالفعل، من الصعب التوفيق بين الإطارين بدون التضحية، وقد تصل التضحية إلى خسارة العميل، وقد حدث ذلك لي مرات عديدة من خلال الماركتر (الإيجنسي)، وقد رفضت العمل على مشاريع لا أمتلك فيها المساحة الكافية للعمل على القمية بشكل عميق ودراسة خيارات أكثر بأبعادها الإستراتيجية الدائمة.

يبقى السؤال قائماً كيف يمكنني التوفيق بين إطار القمية بين إطار الوقت؟

أولاً : خذ وقتاً أطول بكثير مما تحتاجه لإنجاز العمل

شخصياً، أحياناً أقوم بتحديد ضعف المدة التي يتطلبها المشروع، وذلك لتتخلص من ضغط الوقت وموعد التسليم وتعمل في أجواء هادئة، وحتى تتمكن من إختبار حلول مختلفة أكثر والوصول للحلول الأمثل وليست الأسرع، فالقصد هو الإحسان والقيمة الإنسانية الدائمة.

من الوارد أن يأتي موعد التسليم قبل اكتمال القيمة، وفي هذه الحالة عادةً أقوم بالنقاش مع العميل بخصوص الحصول على مدة أطول مع الأخذ بالإعتبار تحمل أي خسارة أخرى ناتجة عن ذلك مثل خصم مبلغ من المبلغ المتبقي من العقد لأن الأصل إكتمال القيمة و (تبييض الوجه) وليس مجرد التسليم على الموعد.

ثانياً : أنت مسوّق ولست (مرقّع)

التخطيط المبكّر من مسؤولية طالب خدمة التسويق من شركات ومدراء وليس من مسؤلية المسوّق، والمسوقون هم من منحوا الشركات وطالبي خدمات التسويق هذا (الحق المكتسب) لقبول المسوقين الأعمال العاجلة فقط لكسب عملائهم، مما جعل الأمر عادياً مع الوقت، فلو توقّف كل مسوّق عن (شغل الكركبة) والأعمال العاجلة لابتدأ طالبو خدمات التسويق من شركات أو مدراء بالتخطيط المسبق لإعطاء المسوّق الوقت والمساحة الكافيين للعمل بتركيز حول القيمة والجودة العالية.

الأصل أن يُنجر العمل بقيمة وجودة عالية، وليس أن يُنجز في وقت عاجل، الوقت العاجل هذا نتيجةً لإخفاق طالب خدمة التسويق في التخطيط المبكر ... ولا يتحمّل المسوّق مسؤلية إخفاق طالب الخدمة وعلاوةً على ذلك يُلام المسوّق على عدم إنجازه العمل في الوقت المحدد. (ظلم صح؟) 

ثالثاً : العمل بمعايير محددة وواضحة و (ثابتة)

قد يختلف منظور القيمة نسبياً من شخص لآخر، إلّا أني في الماركتر قد وضعت لها إطار محدد في ثلاث قيم محددة جعلتها معيار لكل ما نقدمه في الماركتر وأعتبر العمل مكتمل باكتمال هذه القيم الثلاث فيه:

1. التفرد

أن يكون العمل فريداً، مختلفاً أو يمتلك ميزة تميزه وتُخرجه عن إطار المنافسة من الأساس، لأني أؤمن أن التنافس ممل، ولا أعتبر التفوّق تفوّقاً إذا كان بفارق بسيط فليس ذلك إلّا مجرد ظروف جيدة، فنحن نصنع التفوّق من خلال صناعة مسار مختلف شاق على المنافسين ويضمن التفوّق بفارق (مُعْجِز).

2. القيمة الإنسانية

وهنا نعمل على أن يكون العمل ذو قيمة إنسانية حقيقية تُضيف فعلياً قيمة يلمسها المستهدفون من العمل، وهنا نوظّف كثيراً مفهوم التصميم كمنهجية تفكير، حيث أن التصميم يتمحور في حلوله حول الإنسان ونفعه.

وهنا إقتباسات لنا من (ثيم 3 - الإنسانية في التسويق) 

الإنسانية في التسويق.jpg
الماركتر - الإنسانية في التسويق.jpg
الماركتر الإنسانية في التسويق.jpg

3. البعد الإستراتيجي

وأركّز في هذا البعد على أمرين (التوسّع والديمومة) (Scalability  & Sustainability) أي إمكانية البراند/المنتج/الخدمة من التوسّع بخدمة شرائح مختلفة لاحقاً مثلاً، أو إمكانية إبتكار براند/منتج/خدمة فرعية عنه، والقدرة الدائمة على التوسّع، ولا يمكن ذلك إلا من خلال صناعة حل على أساس مرن يشبه قول القائل (لا تعطني سمكة، ولكن علمني الصيد)

أما الديمومة، فهي أن يكون للحل التسويقي بعد إستراتيجي يضمن له الإستمرارية للأبد، وعلى سبيل المثال، حين تبني علامة تجارية جديدة على توجه (ترند) منتشر في وقت معين، فقد يكون الحل قوياً وملائماً لأشهر أو لسنوات ولكن بمجرد تلاشي (حرارة) ذلك التوجّه، ستتلاشى معها قوّة الحل التسويقي وينطفئ وهجه وتأثيره.

وقد أسهبت الحديث عن جانب التسويق ببعد إستراتيجي من خلال تدوينة "كيف تكون مسوّقاً إستراتيجياً" ضمن (ثيم 6 - التسويق كحلول إستراتيجية

رابعاً : يمكن للعميل التوجّه إلى مسوّق آخر غيرك

أحد الخيارات المؤسفة التي أضطر لاتخاذها هي رفض الأعمال المستعجلة، حيث يمكن للعميل التوجه إلى مسوّق أو وكالة تسويق أخرى لإنجاز أعماله العاجلة، فتمسكك بالقيمة، الجودة والمعايير العالية في العمل يرفع من قيمتك لدى عملائك، قد تخسره اليوم ولكن ستنال إحترامه للأبد، وهذا يصب في إطار القمية المعنوية لعلامتك التجارية كما في تدوينة (مسوّق لا يخشى الفقر) التي تحدّثت فيها ضمن (ثيم 8 - القيمة المعنوية للعلامة التجارية) وكذلك في (الكونسبت 009 - مفهوم القيمة المعنوية للعلامة التجارية) ضمن نفس الثيم.

خامساً : الإتقان يحبّه الله

حين نتذكّر الحديث الشريف حين قال النبي عليه الصلاة والسلام "إن الله يُحب إذا عمل أحدكم عملاً أن يتقنه" يُصبح ذلك أكبر دافع لنا للإتقان والإحسان في العمل، وبالتأكيد ينطبق ذلك على كل ما يعمله الشخص في حياته.  

 

العمل بإطار القيمة يعني العمل لصناعة براند

هناك فرق أن تعمل كمسوّق لحل مشكلة عاجلة دون النظر في جذور المشكلة، مسبباتها وأبعادها من منظور (البزنس) والحلول الأنسب والأكثر ديمومة وبين العمل ليبقى البراند متماسكاً من الداخل، وقد تتفاجأ حين أقول أن معظم العلامات التجارية التي تتواصل معي لخدمة تسويق مشكلتهم الحقيقية هي مشكلة أنظمة داخلية هزيلة أو نموذج عمل غير متماسك، فالمسوّق العادي يقفز إلى الحلول التي يطلبها العميل مباشرة ويقوم بتنفيذها مثل (حملة ترويجية لمنتج ما) بينما لو كان المعيار لدى المسوّق يتمحور حول القيمة فقد يجد أن الحل الأمثل هو تصحيح نظام تجربة العملاء، أو إستراتيجية صناعة وتوزيع المحتوى أو غير ذلك من الحلول الدائمة والمستمرة لدى البراند والتي تضمن سير أنشطته التسويقية على أسس راسخة، إستراتيجية ودائمة.

 

المسوّق لا يمتلك عصا سحرية

من المفاهيم التي لا يقبل بها الكثير من طالبي خدمات التسويق هو مفهوم يُسمّى بـ(Agile Marketing) أو الرشاقة التسويقية، وهي أن يعمل المسوّق على إختبار حلول مختلفة يقوم بتعديلها مع الوقت للوصول إلى النموذج التسويقي الأمثل للبراند.

هناك الكثير من المتغيرات في السوق والعملاء وتوجهاتهم، كما أن نتائج الأنشطة التسويقية لا يمكن التعامل معها كالمعادلات والأرقام لأنها ليست حتمية، ويتطلب تعديلها مع الوقت لتصل إلى الكمال المنشود والنتائج المرجوة الأكثر ملائمة للبراند.

 

في الأخير

أهدف أن نرتقي بالحلول التي نقدمها من خلال التسويق والتصميم لتصبح ذات قيمة ونفع حقيقي وإنساني، وأن نتوقّف من (الجري على السير) وضياع الوقت في حل المشاكل المتكررة وسد الثغرات فقط حتى نخرج من حدود وإطار  (البزنس) المحض ونبدأ العمل بتعمّق وإحسان وإخلاص لصناعة قيمة إنسانية متكاملة وغنيّة.

ولا أجمل من إنهاء هذه التدوينة باقتباس في قمّة الإلهام بالنسبة لي من الملهم ستيڤ جوبز:

 

"أحد الطرق للتعبير عن الإمتنان لباقي البشر ..

هو أن تصنع شيئاً مذهلاً .. وتخرجه للناس."