كيف تكون مسوقاً إستراتيجياً

شريط التدوينة.jpg

لطالما اعتقدنا أن التسويق مرتبط بالدرجة الأولى بجذب عملاء جدد، أو ممارسات معينة صمّاء نكررها كل يوم/أسبوع/شهر/سنة أو عند الإحتياج إليه دون ارتباط مباشر بأعمال البراند ورؤيته الإستراتيجية.

ولكن ماذا لو رأينا التسويق شريكاً لتقديم حلول إستراتيجية لا تقتصر فقط على الممارسات والأنشطة التسويقية قصيرة المدى كإشهار منتج، زيادة مبيعات، أو إدارة حساب تواصل إجتماعي بل حلولاً تتدخل حتى في الرؤية الإستراتيجية للبراند، إستثماراته، التقنيات المستخدمة نزولاً إلى نموذج العمل من خلال تغييره أو تطويره ليتماشى مع نظام تجربة العملاء على سبيل المثال.

التسويق أداة عظيمة وأنت كمسوّق شخص عظيم ذو قيمة ووزن لا غِنى عنه في كل منشأة على الإطلاق مهما كان حجمها، نوعها، توجهاتها، منتجاتها، خدماتها هي دائماً بحاجة إليك وإلى خدماتك.

إلّا أن السر هو في احترام التسويق كتخصص والإحسان في توظيفه في المنشأة بما يتلائم مع قيمته ووزنه.

ونحنُ كمسوقين يقع علينا الكثير من هذه الرسالة، فالتسويق ليس سلعة مغلفة تُباع كما هي لكل المنشئات على اختلافها، لذلك مسؤليتنا هنا عندما نقوم بأي نشاط تسويقي أن نتحرى عن مدى ارتباط ما نعمل باستراتيجية البراند وأهدافه كما سيأتي.

 

كيف يمكن أن تكون مسوّقاً إستراتيجياً وتقدم حلول أعمال إستراتيجية!

حتى أكون عملياً في الطرح، ولأني أعتقد أنك الآن تتسائل (كيف يمكنني أن أكون إستراتيجياً في التسويق فعلياً؟).

كمسوّق، وقبل القيام بأي نشاط تسويقي، هناك عدة أسئلة يُفترض الحصول على إجاباتها قبل القيام بهذا النشاط، وحين تبني النشاط التسويقي على إجابات هذه الأسئلة فأنت تلقائياً تعمل بشكل إستراتيجي.

فمثلاً لو كان النشاط التسويقي عبارة حملة ترويجية لمنتج جديد، فقبل أن تقبل فكرة عمل حملة من الأساس، يفترض أن تسأل الأسئلة التالية والتي سنقوم بتطبيقها على المثال.

 

السؤال الأول | ماهي المشكلة الرئيسية التي يواجهها البراند؟

العودة إلى مربع واحد، هذا السؤال يساعدك كمسوّق للوصول إلى ابتكار حلولاً أكثر نجاعةً وذكاءاً وأبعد تأثيراً من العمل المطلوب أساساً.

وفي مثال الحملة الترويجية، فإن طالب الحملة سواءاً كانت شركة تطلب من وكالة تسويق، أو مدير الشركة يطلب من إدارة التسويق لديه أو موظفيه، قد يكون لا يعلم جيداً ما يريد، أو يغفل عن الجوانب التسويقية، أو لا يمتلك فهماً عن التوجهات الجديدة في السوق، أو لم يتبادر لذهنه الخيارات الأمثل مثل الترويج عن طريق محتوى مستدام يقدّم قيمة دائمة للمستهدفين، فيأتي دورك هنا كمسوّق بعد فهم المشكلة الرئيسية المراد حلها لتقدّم الحل الأنسب ذا القيمة الأكبر والأبعد إستراتيجياً وذا نفع أكثر ملائمةً لتوجهات السوق ورؤية البراند كما سيأتي.

المسوّق المتأمل فيما يجري في السوق يلاحظ أن هناك الكثير من الحلول المعتمدة ليست بالحلول الأمثل، وأن هناك حلولاً تسويقية أكثر إستدامةً وإستراتيجيةً مما نراه في أحيانٍ كثيرة.

تواصلت معي أحد الشركات المحلية والتي كانت تُحضّر لعمل حملة ترويجية لمنتج له علاقة بالطبخ، وكانت تنوي أن تنفّذ الحملة عن طريق المؤثرين المشهورين المهتمين بالطبخ، ولكن عندما تعرّفنا على المشكلة الرئيسية لدى البراند وهي (قلة وعي المستهدفين عن بعض خصائص المنتج الخاصة بالطبخ) قمنا باقتراح أن يكون هناك موقع إليكتروني خاص بالحملة حيث يتم تصميمه على أساس أنه مخصص للوصفات، بحيث يمكن وضع صور من الطبخات ومكوناتها ومقاديرها وبتصميم وتنسيق معين يوحي أن الموقع مخصص لهذا النوع من الأنشطة، ثم تحميل وصفات المشاهير الرئيسية كعنوان للطبخة ومن ثم تحميل وصفات الجمهور المشابهة في أسفل مشاركة المؤثر وبنفس الصور التي يشاركونها وبنفس الوصفات الخاصة بهم بشرط أن يكون المنتج المراد ترويجه من ضمن الوصفة، وهنا يضمن البراند التالي:

- توعية مستمرة بالمنتج وبالبراند في قالب ترفيهي إجتماعي يزيد من تفاعل المستهدفين مع البراند.

- الحصول على البيانات الخاصة بالحملة بالتحديد وبشكل أوسع وأعمق من مجرد التعاون مع المشاهير.

- بقاء الموقع إلى الأبد، مع ربطه بالبراند وحملاته التسويقية على شبكات التواصل الإجتماعي.

- إمكانية العمل على ترويج الموقع واستغلال خاصية SEO والحصول على مستخدمين وجمهور أكبر وبشكل مطّرد ومستمر بتوظيف كلمات مفتاحية في الموقع والتي يبحث عنها الناس مثل (وصفة المرقوق، أو المحشي) وغيرها وبالتالي عدد لا منتهي من العملاء المحتملين.

- يمكن توظيف الموقع لحملات ترويجية لمنتجات أخرى لدى البراند.

وحين تُفكّر قليلاً في هذه الفكرة تجد أن لها بُعداً آخر إستراتيجي وقوي جداً، فعند نجاح هذه الفكرة، يمكن تحويلها إلى تطبيق إجتماعي مخصّص للطبخ حيث يتشارك الناس وصفاتهم بشكل إجتماعي وبرعاية البراند، والمنتج، أو أي منتج آخر خاص بالبراند مستقبلاً. بووووم

يسهل عليك كمسوّق الوصول إلى حلول مستدامة وإستراتيجية عندما تتعرف جيداً على أساس المشكلة التي يواجهها البراند والتي دفعته أساساً للجوء إليك، فأنت كمسوّق إستراتيجي متمكّن يهمّك بالدرجة الأولى حل المشكلة وليس مجرد تقديم الخدمة.

لذلك، ومن الطبيعي، بل ما يفترض أن يفعله العميل المحنّك، هو أن يتعاقد مع وكالة التسويق (لحل مشكلة) لا (لتقديم خدمة) بكماء، وهناك فرق كبير.

وقد يكون أحد حلول المشكلة أن لا تقدّم له كمسوّق أي خدمة تسويقية، بل فقط القليل من التوجيه السريع، قد يكون فقط بحاجة إلى إعادة صياغة نموذج العمل، أو إضافة موظف آخر في تلك الإدارة، وقد تواصل معي ذات يوم أحد العملاء يرغب في بعض خدمات التسويق، ومن خلال الإجتماع الأول إتضح لي أن الرجل متمكّن جداً، ولكن لم يكن يعي ذلك جيداً، ولم يكن بحاجة تدخل وكالة تسويق هو فقط بحاجة إلى أن يعيد ترتيب "بيته" وبالفعل لم أقدّم له أي خدمة، بل أتذكّر أني سألته بعد أن انتهى من الحديث المبدئي "في أيش تحتاج الماركتر بالضبط! .. إنت ماركتر بحد ذاتك".

 

السؤال الثاني | ما هي رؤية البراند الإستراتيجية وما ارتباط هذا النشاط التسويقي برؤية وتوجه البراند الإستراتيجي؟

عدم الإهتمام بمعرفة الرؤية الإستراتيجية للبراند يجعل المسوّق يعمل كرجل آلي ينفّذ الأعمال بدقة ولكن لا يسأل لماذا يعمل ما يعمل.

معرفة الرؤية الإستراتيجية للبراند وأين يتجه حتماً يجعل حلولك أكثر إستراتيجية، وستعمل تلقائياً على أن تكون الحلول لها ديمومة في التأثير والنتائج لأنها ارتبطت ببعد استراتيجي للبراند.

ستلاحظ فرق كبير في طريقة تفكيرك كمسوّق في تقديم الحلول التسويقية عندما تتكون لديك الصورة الكاملة، وقد تتفاجأ حينها من سيل الأفكار وقوتها وتماسكها ومدى نفعها الطويل للبراند، ومرة أخرى، لأنها ارتبطت ببعد إستراتيجي.

في الماركتر، نجد صعوبة في قبول العمل على مشاريع تسويق لبراند ليس لديه توجّه ورؤية واضحة، خصوصاً لدى بعض المشاريع الناشئة (Startup) الأمر الذي اضطرنا إلى رفض العمل على بعض المشاريع لهذا السبب بالتحديد. لذلك طوّرنا خدمة (الإستراتيجية) والتي سأعلن عنها قريباً في ثيم خاص بها، وهي خدمة معنية بصناعة الوضوح الكامل للبراند ليعرف جيداً أين يقف وأين يجب أن يتّجه.

أتذكّر الآن لقطة من مسلسل "فريندز" الشهير، حين سأل (جوي) أحدهم قائلاً "هل لديك تلفاز في المنزل!" قال الرجل "لا" فقال (جوي) ساخراً "إذاً ألى أين يتّجه أثاث غرفة الجلوس لديك!" هذا تماماً هو ذات السؤال الذي تسأله كمسّوق قبل تقديم أي خدمة تسويق "هل لديك رؤية إستراتيجية واضحة!" إذا قال "لا" فقل له ساخراً "إذاً إلى أين تتجه أنشطتك التسويقية!".

 

السؤال الثالث | كيف سيؤثر هذا النشاط التسويقي على المبيعات وأداء البراند!

إلى أي حد سيساهم هذا النشاط التسويقي على مبيعات المنشأة وأداء البراند، وكيف سيتكامل هذا النشاط مع الكم الكلّي لمدخولات البراند! حتى تعرف قيمة وعائد النشاط التسويقي أياً كان، وحتى يمكنك قياس العائد بدلاً من أن تعمل بشكل عشوائي.

أؤمن أن أي نشاط تسويقي لأي براند ربحي لابد أن يكون هدفه مادّي، سواءاً كان بشكل مباشر أو غير مباشر، مادي أو معنوي يؤثر على قرارات الشراء مما يقود إلى عوائد مادية لاحقاً، أو قد يكون عائد سريع أو بعيد المدى، في النهاية، لابد أن يكون هناك ما يسمى بـ(العائد على الإستثمار في التسويق - RoMI) وكمسوّق حين تضع ذلك في الحسبان ستجد أنك تبدأ بوضع كل التفاصيل في الحسبان حتى تعرف كيف يمكنك اعتصار العوائد منها سواءاً على المدى القريب أو البعيد.

ودائماً أؤمن أن الإستثمار في القيمة المعنوية للبراند هو الإستثمار الأعظم والأكثر إستراتيجية في التسويق، فقيمة البراند المعنوية هي أكثر ما يُقنع العميل أن يدفع مبلغ أعلى ولفترة أطول وبالتالي هامش ربح أعلى بكثير من المعدل. وها نحن نثبتُ ذلك يومياً، وندفع العشرات لشراء القهوة من علامات تجارية تمتلك قيمة معنوية ويلازم الشراء منها إحساس فريد، كما ندفع المئات بل الآلاف من الريالات بكل اقتناع لشراء قطعة من الملابس تنتمي إلى ذلك البراند "الفخم" أو الذي استثمر في بناء هذه القمية وهذا "السحر" من خلال وعود بمعايير عالية ووفاء بتلك الوعود بشكل مستمر ودون انقطاع.

 

السؤال الرابع | ما هي تفاصيل الهوية المؤسسية والبصرية؟

كمسوّق .. يهمّك البراندينج، وصورة وصوت البراند الموحّد والمتماسك، ولا تريد زرع فكرة أو صورة عن البراند قد تتعارض مع قيمه، ثوابته، رسالته، شخصيته وغيرها، لذلك التشبّع بالهوية المؤسسية والبصرية الخاصة بالبراند قبل البدء بالعمل مهم وحيوي جداً.

لذلك في إطار عمل خدمة (الهوية المؤسسية + البصرية) من الماركتر، بتوضيح إستخدامات الهوية المؤسسية والتي من ضمنها أن تكون المرجع الرئيسي لكل الأنشطة التسويقية، حيث من خلالها يستطيع المسوّق معرفة ما يمكن ومالا يمكن فعله، ما يُقال ومالا يُقال حسب الهوية المؤسسية. وسأعلن عن خدمة (الهوية المؤسسية + البصرية) من الماركتر مجدداً لاحقاً مع إطار العمل الخاص بها في ثيم خاص بحول الله.

 

هل نتحدث عن التفكير التصميمي؟

التفكير التصميمي منهجية عظيمة، ودائماً لها نتائج إستراتيجية ممتدة النفع وخالية من الشوائب.

كمسوّق، أو كمسوّق عصري تجد أن منهجية التفكير التصميمي جزء لا ينشق عن أسلوب تفكيرك في إيجاد الحلول الإستراتيجية وذات النفع البشري الحقيقي الملموس.

التفكير التصميمي لا يخذل أحد، لأن الوصول إلى الحلول عن طريقه ممنهجة لتخدم وتتمحور حول الإنسان ونفعه، وحين تنتهج التفكير التصميمي في حل مشكلة ما، فأنت حقيقةً تبحث عن حلٍ جذري قد يخرج عن إطار المشكلة المغلق ويمتد ليحل مشاكل أخرى تتسبب على المدى القريب أو البعيد في تكرار المشكلة أو وجودها من الأساس.

أول تدوينة كتبتها على الإطلاق كانت عن "التفكير التصميمي بعين ماركتر" كانت قبل إطلاق مشروع الماركتر، وقد كانت، ولا تزال وستظل هذه المنهجية جزءاً من عقلية الماركتر لإيماني العظيم بها وبقوتها.

سيكون هناك "ثيم" خاص للتكامل بين التسويق والتصميم بالتعاون مع أصدقائنا في (جزالة) سأعلن عنه قريباً بحول الله، وأعدك عزيزي أنه سيكون محتوىً قيّماً فريداً يتناول مواضيعاً من وجهةِ نظر هي مزيج بين مسوّق ومصمم.

الشراكة في صناعة البراند والمنتج/الخدمة

هناك عبارة جميلة تقول:

"أخبار سارّة للمسوقين، أنتم مسؤولون عن كل شيء"
*سيث قودن

نعم .. لم يعد يقتصر دور المسوّق على الترويج، أو أن يأخذ الظرف مقفلاً ويخرج به إلى السوق، بل المسوّق من كتّاب محتوى هذا الظرف، وأحد الصنّاع الأوائل.

لا يكتمل مشروع خصوصاً الريادية منها دون توفّر ثلاثة أشخاص (Hipster - Hustler - Hacker) ويسمّون بـThree Hs وهم (المبرمج - المسوّق - والمصمم) وسمّى المسوّق بالـHustler لدوره الحيوي الديناميكي في البراند، وحين يكون المسوّق من الصنّاع الأوئل، أو على الأقل يمتلك حريّة الحصول على ما يريد من البيانات عالية السريّة والمستوى، هنا يُصبح للتسويق وزنه وقيمته وفائدته الجمّى.

كتبُ تدوينة سابقة بعنوان "أراجوز" تحدّثتُ فيها عن العلامات التجارية والمنتجات والخدمات التي ليس لها قيمة حقيقية فريدة في ذاتها ويستخدمون التسويق فقط كجسر عبور إلى المستهدفين، وأعتقد أنت كمسوّق يعي جيداً أهمية وحساسية وقيمة تخصصه لا يمكنه أن يعمل كجسر عبور دون أن يدرس، يحلل، ويقترح حلولاً أكثر قوّةً وإستراتيجية.

 

أخيراً أقول 

من يلعب كي يفوز أقوى ممن يلعب كي لا يخسر، الأمرُ كلّه في المنهجية والعقلية التي تعمل بها كمسوّق في تقديم الحلول، فالأسئلة الأربعة أعلاه، ليست إلّا "تثبيت" لنظام تفكير بمعايير بعيدة ومستدامة تجعلك تنظرُ إلى الأمور بنفسٍ عميقٍ طويل.

شخصياً أؤمن أن كل ما أفعله في التسويق هي لبناء القيمة المعنوية للبراند، فبدلاً من الترويج سريعاً لكسبٍ سريع يختفي أسرع من "السنابات" أروّج لبراند، إسم وقيمة معنوية تبقى للأبد، فالمبيعات تُبنى بعميل يدفع، بينما البراند يُبنى بعميل محب.