براند منذُ المهد

شريط التدوينة - الماركتر.jpg

الفرق المادي بين أن تبدأ مشروعك بشكل تقليدي وبين أن تبدأه كعلامة تجارية "براند" هو عشرات قليلة من آلاف الريالات أو أقل .. ولكن هل تعلم مالفرق الذي تحدثه هذه العشرات من الآلاف من الريالات لعلامتك التجارية على المدى البعيد!

سأتحدّث في هذه التدوينة عن مفهوم أحبه كثيراً وهو الذي بنيتُ على أساسه علامة الماركتر التجارية، وستهمّك هذه التدوينة كثيراً إذا كنت في مقتبل بناء مشروعك أو تراودك حالياً فكرة لمشروعك القادم.

 

البداية

من الطبيعي أن يهمك كثيراً في البداية مدى جدوى مشروعك إقتصادياً، وكذلك الجوانب التشغيلية واللوجستية له، وقد تأخذ هذه الجوانب جُل إهتمامك وتركيزك على حساب جانب في غاية الأهمية وهو "البراند"، فيتسبب ذلك في بناء علامة تجارية خاوية من القيمة المعنوية الجوهرية الثابتة التي تضمن صورة ذهنية محددة لدى العميل، تموضعاً واضحاً في السوق، شخصية وأسلوب يحمل رسالة ووعود بنظام راسخ يضمن إيصال كل هذا بالجودة والمستوى والمعايير التي تعد بها عملائك المستهدفين باستمرار.

وقد تتسائل: ماذا لو بدأت بشكل تقليدي؟ مالفارق بينه وبين العمل كبراند؟ وهل يشترط العمل كبراند؟

وهنا أقول لك: ستبقى صورة هذا المشروع مشوشة وضبابية في ذهن العميل، ولن يملك بُعداً معنويّاً ثابتاً وواضحاً وقيمةً فريدة يلمسها العميل من خلال تعامله معك، بينما العمل كبراند، يعني أن تكون لديك أنظمة داخلية ثابتة لعلامتك التجارية تضمن أن كل الوعود التي تعد بها عملائك بإسم هذه العلامة التجارية تصل لهم .. دائماً .. بإستمرار.

ألا تلاحظ أنك قد تتجاهل سوء النظافة والترتيب في السوبر ماركت التابع لحيّكم بينما تختلف معاييرك وحكمك للأمور عندما تدخل هايبر بنده، أو التميمي! فالأخيرين قد قطعوا لك وعوداً من خلال تعاملهم معك كـعلامات تجارية "براند".

 

المفهوم

إذاً ما هو المفهوم الذي أتحدّث عنه هنا في هذه التدوينة، ومالفرق بينه وبين الطريقة التقليدية لصناعة العلامات التجارية، ولماذا يناسب هذا المفهوم العلامات التجارية الناشئة أو الصغيرة أكثر؟

حين تكون في مرحلة البداية فترة إنشاء مشروعك الجديد أو حتى القائم، تكون حساسيتك عالية عادةً تجاه التكاليف وتكون حذراً في ما يُصرف وتحرص على الحصول على التأكيدات لجدوى تلك التكاليف، لذلك هذا المفهوم لبناء البراند هو تحديداً لهذا التوجّه حيث يمكّنك من صناعة الحد الأدنى من البراند مع إمكانية البناء عليه وتوسيعه وتطويره دون المساس بجوهره وإحترافيته.

تماماً مثل من يريد أن يبني بيتاً بدور أرضي فقط، يأتي هذا المفهوم فيشير عليه ببناء أساس متين لهذا المنزل وإن كان بدور واحد أرضي، فبعد عمل الأساس المتين يصبح بناء وإضافة أدوار إضافية لاحقاً ليس بالأمر المثير للقلق.

المفهوم هو "الحد الأدنى القابل للحياة من البراند"  Minimum Viable Brand - MVB وتماماً كما يقترح المسمى للمفهوم، أي أن يكون لديك أقل القليل من البراند، على أن يكون صحيحاً إحترافياً وقابل للبناء عليه وتطويره لاحقاً.

قد تتسائل: لما لا أعمل بشكل تقليدي ثم بعد التوسع أقوم بعمل هوية متكاملة؟

وهنا أقول لك: هناك ما يسمى بالقيمة المعنوية للبراند Brand Equity كما تحدثت عنها في الكونسبت 009 هذه القيمة تُبنى مع الوقت ومع الوفاء الدائم بالوعود بإستمرار، فحين تبني البراند بهذا المفهوم، فإنك تصنع قناة توجّه هذه القيمة التوجيه الصحيح وحين توسّع علامتك التجارية لاحقاً على أساس ثابت متين فإن جُهدك لن يذهب سُدى بل ستكون حينها بنيت قيمةً معنوية مرتبطة بعلامتك التجارية التي بنيتها سابقاً بدلاً من أن تبدأ من جديد بالتعريف بالعلامة التجارية الجديدة وتبني صورة ذهنية جديدة من الصفر والذي قد يأخذ منك الكثير من الوقت والجهد للحصول عليها.

 

كيف تطبّق هذا المفهوم على علامتك التجارية

هناك 6 محاور رئيسية وضعتها دينيس لي يون مؤلفة كتاب "ما تفعله العلامات التجارية الكبيرة" "What Great Brands Do" وهذه المحاور الستة تغطّي الحد الأدنى لكل ما تحتاج إليه كحد أدنى في علامتك التجارية الجديدة.

وقد صاغتها المؤلفة على شكل 6 أسئلة، وهي تمثّل إطار العمل لصناعة الحد الأدنى القابل للحياة من البراند، إطرحها على نفسك وبالتأكيد ستجد من إجاباتك أنك تتعرف على علامتك التجارية من أبواب أوسع:

1. مالذي تقف لأجله؟ ?What do you stand for

وهنا تحدد جوهر وقيمة البراند، والذي يتفرع عنه كل شي يخص البراند، ويتمحور حوله وينبع منه ويهدف لتحقيقه. 

وقد تكون لهذه القيمة بعد إنساني أو إجتماعي تهدف لتصل إليه من خلال هذا البراند ليصبح البراند أداة لهذا الأمر الذي تقف لأجله ولسببه تم بناء البراند.

والذي أقف لأجله في الماركتر هو أن نساهم في صناعة مسوقين يمارسون التسويق بإحترافية عالية، وفي صناعة علامات تجارية سعودية بمعايير عالمية، لذلك قسّمنا نشاط الماركتر إلى قسمين رئيسيين، الأول يخدم المسوقين العرب بمحتوى عربي مستوحى من سوقنا المحلي، والآخر يخدم العلامات التجارية المحلية بخدمات تسويق نقدمها ببعد إستراتيجي وبأيدي محلية تفهم سوقنا واحتياجاته.

 

2. مالذي تؤمن به؟ ?What do you believe in 

هنا تحدد القيم والثوابت التي تحملها، ومن خلال البراند تقوم بتحقيقها وتقديمها لشريحتك المستهدفة. 

وهنا أتذكّر جزالة، أحد العلامات التجارية السعودية التي بُنيت على هذا المبدأ، فهم يؤمنون أن التصميم الجيد يغير العالم. فهذا الإيمان بهذا البعد يُشكّل توجّه البراند ويوحّد أنشطته وأهدافه ليظهر ويقدّم دائماً ما يخدم هذا الإيمان وهذا التوجّه ويشجّع ويروّج له.

 

3. من هم عملائك؟ ?Who're your customers

بالتأكيد عملائك أحد أهم عناصر هذا المزيج، فعند تحديد ومعرفة عملائك، ستعرف جيداً كيف ستقدّم لهم تلك القيمة وكيف ستتعامل معهم.

شركة Airbnb العالمية المعروفة، والتي تقدّم خدمة مشاركة المنازل بين الأفراد، هي تعرف جيداً من هم عملائها، وهم في الغالب شباب، يبحثون أن يعيشوا تجربة العيش الخاصة بأهل المنطقة التي يزورونها وفي الغالب الشباب يسافرون بميزانيات ليست بتلك التي تمكنهم من العيش في فنادق غالية الثمن، لذلك تجد أن البراند يتمحور حول هذا العميل ويخدمه بشكل محدد ومناسب له جداً. وقد قمت بتجربة هذه الخدمة للسكن لفترة شهر في أحد الدول الأوروبية، وكانت بالفعل تجربة فريدة جداً ومناسبة لذاك النوع من الرحلة التي قمت بها.

 

4. ماذا تُقدّم؟ ?What do you offer

أي تحدد منتجاتك وخدماتك بشكل مفصّل ونهائي، وتخلق نظام إنتاجها وتوفيرها بشكل ثابت حتى تستطيع الوفاء بالوعود وبناء الثقة لدى العميل وبالتالي بناء القيمة المعنوية لعلامتك التجارية Brand Equity.

ومن المهم أن أذكر هنا مفهوم "الحد الأدنى القابل للحياة من المنتج" Minimum Viable Product MVP أي أن المنتج الأول لديك لا يُفترض أن يخرج لعملائك بكل خصائصه ومميزاته في مراحله الأولى، ولكن أن تبني منتجاً أو خدمة تملك القيمة الحقيقية الرئيسية التي تقدم الخدمة الرئيسية بأعلى جودة لعملائك، على أن تقوم بتطويره وتحسينه حسب طلبات وتوجهات السوق، وبذلك تضمن أن يحصل المنتج على الثقة والإعتمادية المطلوبة بالإضافة إلى إستمراريته.

وأرى أننا كثيراً نغفل عن هذا المفهوم المهم جداً خصوصاً في البدايات، ونتجه إلى توفير منتجات بخصائص ومميزات قد تتجاوز أحياناً قدراتنا على حسن إدارتها وتقديمها، وتذكّر ... في عالم صناعة العلامات التجارية "منتج واحد بخاصية واحدة عالية الجودة بشكل مستمر وثابت وعالي الجودة هو خيرٌ من منتج بخصائص كثيرة بقيمة غير مستقرة" لأن قيمة البراند المعنوية تُبنى مع استمرار الوفاء بالوعود المقطوعة للعميل.

 

5. مالذي يميزك؟ ?What distinguish you 

التفرّد .. بماذا تتفرّد عن غيرك من العلامات التجارية المنافسة لك؟ لماذا يختارك العميل ولا يختار غيرك؟ ما الفرق الذي تقدّمه من خلال علامتك التجارية ومنتجاتك وخدماتك؟

والحديث هنا ليس عن الشعار المختلف أو الهوية المختلفة، بل في القيمة المختلفة التي يصعب على منافسيك مجاراتها وتتفرّد بها، فقد يكون سعرك المنخفض عن جميع السوق هو ميزتك، لأن لديك آلية ونظام تشغيل مختلفة تعمل على أساس تخفيض التكاليف وتبيع بهوامش ربح منخفضة على أن تكسب حصة سوقية أكبر تعوّض هذا الإنخفاض في السعر، فعندما تحدد الميزة سيلتفّ البراند على العمل على تحقيقها بصناعة الأنظمة له، وتسخير الموادر المالية والبشرية لتحقيقه.

وقد تكون ميزتك في ثقافة شركتك الداخلية والمبنية على الجزاء بالإستحقاق، الإستماع، التطوير فتعمل دائماً على الحفاظ على هذه الميزة وتستثمر دائماً في إبقائها حيّة تميزك عن غيرك من منافسيك.

 

6. ماذا تقول وتعرض؟ ?What you say and show

وأخيراً تحديد الهوية المؤسسية والبصرية التي تظهر للعملاء، وتحديد أسلوب التواصل والذي هو أحد أهم أجزاء الهوية المؤسسية بالإضافة إلى شخصية البراند وكيف ترغب في أن يراك عملاؤك وما هي الصورة الذهنية والبصرية التي ترغب أن يحملها عملاؤك عنك.

لاحظ أن الهوية البصرية ماهي إلا جزء بسيط جداً من هذه المنظومة الكبيرة، وانا أقول هذا لأنه من الملاحظ والدارج أن الكثير يعتقد أن الهوية البصرية هي البراند وهي التي تمثّل العلامة التجارية وأن الأمر لا يصلح بدونها، نعم هي مهمة جداً ولكن ما هي إلّا عناصر بصرية تترجم وتصوّر كل المعاني والقيم المحددة سابقاً للبراند.

ويهتم الكثير بالهوية البصرية لأنها هي التي تحمل التأثير المباشر للبراند لدى العملاء، وهنا بالتحديد تقع الخطورة، هي نعم تؤثر التأثير المباشر ، ولكن إن لم يكن هناك هوية مؤسسية و قيم وثوابت للبراند فستوصل هذه الهوية البصرية الرسالة بصدق للعملاء ليروك مجرداً من كل هذه المبادئ، ولا يجدون أنظمة تضمن لهم الوعد الذي تقطعه لهم فيظهر بذلك شرخاً أكبر وأعمق حين يخالف ظاهرها جوهرها.

 

لعبة العلامات التجارية طويلة الأمد، المجد فيها لمن يقف طويلاً وأخيراً ويملك النفس الطويل والتفكير والبعد الإستراتيجي، وكلمة "إستراتيجي" تعني الفوز أخيراً بغض النظر عن الخسائر وتأخر النتائج الآن.