أراجوز

لا يتحمل التسويق مسؤلية منتجك السيء.

قد يكون السيناريو في أذهان الكثير ممن يظنون أن التسويق هو الحل لترويج المنتج العادي أو المُخفق، هو أن يصنع منتج أو خدمة تقدّم قيمة أساسية مجرّدة من الكثير من معايير الجودة والتميز ولا تنافس بميزات تنافسية قوية، ثم يرمي بكل الحِمل على التسويق فيتعامل التسويق مع المنتج أو الخدمة كالأرجوز الذي لا يقدّم أي قيمة إلا من خلال غيره، فيصبح التسويق كالخيط أو كاليد التي بداخل هذا الأراجوز الذي لا حول له ولا قوة، فيقوم بدفع المنتج للمستهلكين أو حَبْك إستراتيجيات بكماء مثيرة للشفقة كوضع المنتج في الرفوف الأولى أو في الخيارات الأولى، أو المسابقات التي تشترط الشراء أو المتابعة على حسابات التواصل الإجتماعي، أو "الكليشة" القديمة "إشتري واحد واحصل على الثاني مجاناً" أو محاولة إظهار العلامة التجارية بمناسبة أو بغير مناسبة "ليراها الناس" ظنّاً منهم أن ذلك سيزيد من رسوخ "علامتهم التجارية" في أذهان العملاء وأنهم بذلك "سيطروا على العالم".

في هذه التدوينة أتحدّث عن التسويق كمنظومة متكاملة تعمل بترابط متين كأداة لجعل حياة الناس أفضل، أسهل وأجمل من خلال منتجات وخدمات تقدمها العلامات التجارية.

في تدوينة سابقة تحدّثت عن التسويق بإنسانية بشكل مختصر وموجز، ولعل هذه التدوينة هي النسخة الأكبر والأشمل منها.

 

من أين يبدأ التسويق ؟

 

كما سمعت سابقاً أن تربية الطفل تبدأ منذ كونه جنيناً في بطن أمه وقبل خروجه إلى الدنيا، أرى ذلك شبيهاً بدور التسويق لدى البراند حيث يبدأ قبل أن يخرج البراند إلى السوق، بخلق منتج وخدمة ذات قيمة كجزء لا يتجزأ من صناعة البراند ذاته.

العملية مترابطة .. من الظلم أن نخترل التسويق في عملية كسب وإقناع عملاء جدد، أو حتى مع خدمة العملاء الحاليين، التسويق يبتدأ من المراحل الأولى لبناء البراند ذاته وصناعة منتجاته وخدماته وخلق ميزاتها التنافسية وشخصياتها والأهم من ذلك كله أن يكون هذا المنتج أو هذه الخدمة أصلاً ذات قيمة حقيقية يلمسها العميل ويستمتع بها ويشعر بفائدتها وميزتها المختلفة.

وعندما تلاحظ وتتأمل، تجد أن أكبر العلامات التجارية، التي اجتاحت العالم رغماً عن أنف كل من يقاوم قوتها، تجد أنها في النهاية تتكئ على منتج أو خدمة ذات قيمة قوية جداً للعملاء، وهذا المنتج أو الخدمة هو كل تركيز ذلك البراند حيث يقوم بالبحث والتطوير المستمرين دائماً لجعل المنتج أكثر قيمة وملائمة للعملاء على مر السنين.

وحين تقرّب الصورة بتفكّر تجد أن محرّك البحث لدى قوقل هو كل شيء وأول شيء، أتى بعده تباعاً كل شيء، ومحرك البحث لدى قوقل لا ينكر أحدٌ قوته المتناهية في الوصول بك لما تريد على شبكة الإنترنت، ولكن لو تفوّق براند آخر في تقديم محرك بحث أقوى لسحق بطبيعة الحال محرك البحث قوقل بغض النظر عن قوة علامتها التجارية  لأن الناس تبحث في الأساس عن ما يجعل حياتها أجمل وأسهل ولا يفترض أن يرتبط ذلك ببراند معين وإنما بتلك الميزة التي تتواجد في ذلك المنتج أو الخدمة التي يقدمها ذلك البراند أياً كان.

 

 

المنتج/الخدمة الأراجوز

 

هو صناعة منتج أو خدمة تحتوي فقط على المقومات الرئيسية التي تجعله مجرد منتج أو خدمة دون التركيز على الميزات التي تصنع منه قيمة حقيقية للعملاء تجعل حياتهم أجمل، أسهل وأكثر متعة.

طبعاً هذا الأراجوز لا "يهش ولا ينش"  وحده، لذلك يستعين ويعتمد على التسويق ليلبسه حلة جميلة و"يلمّعه" كما يقول إخواننا المصريين، ويتحدّث عنه "بالطيب" لدى الجمهور فيقومون بشرائه لأن هناك "هولّيله" حوله، وبالعامية نقول "من برا الله الله ومن جوا يعلم الله".

بطبيعة الحال، الهدف الرئيسي والوحيد من صناعة هذا الأراجوز هو الكسب فقط أو "الدراهم" بلهجة أهل نجد، والضرب بالأهداف النبيلة عرض الحائط والتغافل عن إيجاد حلول إنسانية من خلال هذا المنتج، وكأن لسان حالهم يقول "طالما الناس ما راح يتسمموا من هذا المنتج فاحنا بخير".

وقد تتسائل قائلاً: ولكن قد يكون إنتاج منتج ذو جودة وقيمة عالية مكلف أو مُجهد لي وانا في بداياتي.

وهنا أسألك سؤالاً مرتداً: مالذي تود أن تبنيه هنا ؟ هل هي علامة تجارية تبقى للأبد، أم فقط مجرد دخل إضافي ؟

وأتوقّع إجابتك على هذا السؤال هي إجابتي على سؤالك.

الماركتر - المنتج الاراجوز.jpg

 

المنتج/الخدمة ذات القيمة الحقيقية

 

المنتج القوي ذو القيمة والنفع للعملاء يعمل كمولد طاقة تسويقية بذاته، يجذب عملاء آخرين جدد عن إقتناع من خلال عملاء سابقين مقتنعين وراضيين كل الرضى وهنا وهكذا يُبنى البراند ويخلّد ذكره.

إطلع على كل العلامات التجارية العظيمة التي خلّدها السوق، لم يكن الشعار والهوية المؤسسية والبصرية هي خلف تلك العظمة، ولم يكن البراندينج أو الإعلانات التجارية الإبداعية من صنع ذلك المجد، بل كان حجر الأساس هو  منتج أو خدمة ذات قيمة حقيقية ونفع حقيقي للناس أتى بعده كل شيء ليخدمه ويبرز مزاياه للناس بصورة أو بأخرى.

وكم شيّع السوق من علامات تجارية خاوية من الداخل، بُنيت بمبدأ "مع شوية تسويق كل شي راح يكون تمام" إلّا أن السوق لا يُحابي.

ليس هناك وجود لعلامة تجارية قوية دون وجود منتج أو خدمة إستثنائية، والعكس غير صحيح، بل أن المنتج هو كل شيء، وأتذكر هنا برنامج التحميل الشهير Internet Download Manager وهو برنامج تحميل الملفات مباشرة من الإنترنت، وإذا كنت من المخضرمين من مستخدمي هذا البرنامج فستعلم جيداً عن ماذا أتحدّث.

منذ بدايات الألفية الثانية لم أكن أتصور أني أستخدم الإنترنت دون أن يكون هذا البرنامج مثبتاً في جهازي، بل هو من ضمن الخمس البرامج الأولى االتي أقوم بتثبيتها عند امتلاك جهاز جديد أو بعد إعادة تهيئة جهازي "الفرمته" أو حتى عند استخدام الإنترنت في كافيهات الإنترنت المنتشرة في تلك الآونة. وحين تنظر في الطريقة التي يروج بها هذا البرنامج نفسه تجد أن الإنطباع الأول الذي يتركه عليك هذا البرنامج ليس جميلاً ساحراً أو قوياً، و"أزيدك من الشعر بيت" لم يغير حتى الشعار والهوية التقليدية الضعيفة بلونها الأخضر الحزين 

ولكن .. يمتلك هذا البرنامج قوة وسرعة عجيبة في التحميل لم أرها في أي برنامج آخر على الإطلاق، بالإضافة إلى سهولة إستخدامه وتوافقه مع معظم وأشهر المتصفحات حيث يمكّنك من تحميل المحتوى الصوتي والمرئي الذي يعرض مباشرة على المتصفحات بضغطة زر واحدة، ويتيح لك كذلك إختيار جودة الملف الذي تريد تحميله حتى 8K على اليوتيوب وغيره.

وحين أتأمل في هذا المنتج الذي لم ولن أستخدم أي برنامج منافس له إطلاقاً "حتى هذه اللحظة" وحين أتأمل في هويته البصرية وحضوره في السوق من حيث الترويج والإعلانات هو ليس بتلك القوة ولكن أقنعتني قوة أدائه وفائدته الأخيرة وذات النفع الحقيقي والمباشر لي، فهو فعلياً، فعلياً يقدّم لي القيمة التي أبحث عنها ويرضي توقعاتي.

لو أننا نهتم بصناعة منتجات وخدمات ذات قيمة بقدر اهتمامنا بالظهور، و"البرباقندا" والصيت، والوجاهة، والمال والشهرة، لحصلنا على كل ما سبق.

 

السوق يدفعنا إلى الإنسانية

 

حين تتأمل تجد أننا في السابق لم تكن لدينا خيارات كثيرة أو بديلة للمنتجات والخدمات التي نحتاجها وتتوفر في السوق، مما يجعلنا نرضخ لمعايير البائع كيفما كانت، ولم تكن الجودة في الأساس هي المعيار بل السعر أو "أقل الخسائر".

ثم جاء الإنترنت، وكقنّاص من على قمّة جبل، قتل أولئك الباعة من السوق بخيارات أفضل وأكثر، ونماذج عمل أقوى واقل تكلفة وقانون الإقتصاد يقول : إذا زاد العرض يقل السعر، "ويدّلع العميل"، يتمختر بين الخيارات وكأنه يقول : ما لا أجده عندك سأجده عند غيرك.

الضغط أصبح شديداً على الأسعار إلى أن اصبحت لا تصنع فرقاً كبيراً .. ليتجه الكل إلى "القيمة الحقيقية" أو تجربة العملاء واللذان يتمحوران بالدرجة الأولى حول الإنسان ونفعه.

وهذا السيناريو عشناه هنا في السعودية بين شركات الإتصالات المحلية، فقد كان يهيمن بائعُ واحد رضخنا لمعاييره سنين طويلة، جاء البديل الأول ليخلق ثورة كبيرة في عالم الإتصالات والإنترنت في المنطقة وما هو إلا تدافع أكتاف، اشتدّت المنافسة في المميزات مثل قوة الشبكة، والآن أرى إنسانية عظيمة في خدمة جوي حيث يمكنك التحكم  برصيدك "حسب استخدامك" وهي من أمثل الصور الإنسانية لخدمة مثل هذه.

إذاً .. ولا اعلم إن صح أن أقول أن (نجاحك في التسويق يصل حيث تصل إنسانيتك !) حين تُفكر في الأمر قليلاً وبالرجوع إلى محتوى هذه التدوينة والمتمحورة حول صناعة منتج وخدمة قائمة على نفع الناس بالدرجة الأولى تجد انك لن تحقق ذلك إلا بصناعة هذه المنتجات والخدمات ببعد ومنظور إنساني حقيقي، يخدم الإنسان ويجعل حياته أسهل أجمل وأكثر متعة.

 

قبل البدء بالترويج والتسويق لمنتجك أو خدمتك إسأل نفسك، هل ستشتريه أنت ؟ هل ستنصح به لمن تحب ؟

ومالذي تبنيه هنا ؟ هل هو مجرد الربح ؟ أم علامة تجارية قوية تبقى دهراً طويلاً تمنحك القوة في أخذ هوامش ربح عالية جداً والأهم من ذلك عملاء يدفعون لك هذه الهوامش العالية وهم في قمة السعادة ؟