خبرة سوق وطموح نون

ثيمم13.jpg

بعد إعلان إستحواذ العظيمة أمازون على سوق.كوم في نهاية مارس لهذا العام، ظننت أن المنافسة في سوق التجارة الإليكترونية في المنطقة ستصبح غير عادلة باعتبار أن أمازون أقوى منصة تجارة إليكترونية في العالم المملوكة لأغنى رجل في العالم حالياً "جيف بيزوس".

ولكن الأمر أصبح مثيراً جداً بالنسبة لي عند ظهور العملاقة نون على الساحة السعودية، المنصّة التي تم تدليلها بإستثمار بلغ المليار دولار.

في هذه التدوينة سأتحدّث عن هذه المنافسة ليس لمجرد الإثارة، ولكن لأني كنت أبحث في هذا الأمر ووجدت أن هناك فرصة كبيرة لنتعلم من حيثيات هذه المنافسة التي تحدث هنا في سوقنا المحلي، وندخل إلى العقلية التسويقية لهذه الشركات الضخمة، كما أن هذه المنافسة ستنعش سوق التجارة الإليكترونية في السوق السعودي كثيراً وستؤثر كذلك على الأسعار وجودة الخدمات المقدمة في سوق التجارة الإليكترونية وذلك لحدّة المنافسة مما يؤثر أخيراً على سلوك المستهلك الشرائي إليكترونياً خصوصاً باعتبار قلّة إقبال المستهلك السعودي (بشكل عام) على الشراء من الإنترنت.

 

المضمار

المضمار هو السوق السعودي، أكبر سوق في المنطقة من حيث عدد السكان حيث يتجاوز الـ31 مليون نسمة، يتجاوز عدد السعوديين منها الـ20 مليون.

سوق شاب في معظمه، وهذا يجعل الإستثمار في التجارة الإليكترونية فيه أكثر جاذبية وجدوى، وذلك لأن هناك تبنّي عالي للتقنية ورغبة كبيرة في اقتناء و/أو استخدام الجديد منها مما يجعل التكيُّف مع المنصات الإليكترونية أسرع.

وعندما نتحدّث عن القوة الشرائية، فبالتأكيد كذلك هي الأقوى في المنطقة بشكل عام، نأخذ في عين الإعتبار التحفّظ من السعوديين الذي قد نشهده في هذه المرحلة الإنتقالية الإقتصادية في السوق السعودي والإصلاحات المترتبة عليها والتي نتج عنها بعض التغييرات في الأسعار، فأتوقع أن المواطن السعودي في هذه الفترة سيكون أكثر رويّةً في الإنفاق عن ذي قبل، وأكثر تحسّباً لما هو قادم من تغييرات.

إلّا أن من توجّهات رؤية السعودية 2030 هي تحفيز المواطن السعودي على الإنفاق على الترفيه والأنشطة داخلياً أكثر، فمع توفّر وتنوّع وسائل الترفيه الداخلية عالية الجودة سيعاد توجيه الكثير من الإنفاق على الترفيه من خارج المملكة إلى داخلها، وقد تكون صالات السينما السعودية محفزاً لكثير من السعوديين على أن يقضي الإجازات القصيرة أو "الويكند" داخل المملكة مما يعني إعادة توجيه للكثير من المصروفات إلى الداخل.

السوق السعودي يحب الجديد والتغيير، ويهمه كثيراً الظهور بالمظهر اللائق وحتى المختلف في المناسبات واللقاءات، خصوصاً لدى النساء اللواتي يشكّلن نسبة كبيرة من المجتمع، وهنّ بالتأكيد الشريحة الأكثر إستهدافاً في التجارة الإليكترونية، وكما تعودنا أن نرى عادةً أن الآباء يعالمون بناتهم معاملة خاصّة والمكانة التي يحظين بها لذلك قوة البنات الشرائية قد تكون أكبر، ناهيك عن العدد المتزايد للشابّات العاملات واللواتي أصبحن مستقلّات مادياً بشكل أو بآخر فهناك قوة شرائية نسائية في المجتمع كبيرة لا يمكن تجاهل التعامل معها بشكل خاص.

وأرى هنا فرصة كبيرة لدى البنوك السعودية في إصدار بطاقات إئتمانية للتسوق الإليكتروني مناسبة للأعمار الصغيرة (15 سنة مثلاً) بمواصفات محددة كأن تكون تابعة لحساب الأب فلا يتم اعتماد الشراء إلا بإرسال كود تأكيد لجوال الحساب الرئيسي، وبحد إئتماني لا يمكن تجاوزه شهرياً وبتعاقدات تخفيض مع المتاجر أو فئات محددة من المتاجر تناسب الشريحة العمرية المستهدفة، على أن يكون "البراندينج" الخاص بها وأسلوب ترويجها ملائم وجذاب لذات الشريحة، وهذا سيساعد كثيراً في تربية الجيل القادم على هذا التوجه الحتمي لسلوك الشراء المستقبلي، وكذلك لإنعاش السوق الإليكتروني.

وكما تعلم أن هذا من أكبر التحدّيات التي تواجه التجارة الإليكترونية في المنطقة، فالمتسوّق السعودي لازال لا يعتبر البطاقة الإئتمانية خياره الأول عند الشراء على الإنترنت، وكما ورد في مقال قرأته عن هذه المسألة، وهو أن خيار الدفع عند الإستلام يزيد من مخاطرة شركات التجارة الإليكترونية في التحصيل.

حسب رويترز، فإن هناك توقّع بأن يقفز سوق التجارة الإليكترونية في المملكة من أكثر من 32 مليار ريال (8.7 دولار أمريكي) إلى أكثر من 52 مليار ريال (13.9 دولار أمريكي) في ثلاث سنوات (بحلول 2021) وكلما كبر السوق كلما احتدّت المنافسة على الحصة الأكبر وهذا دائماً يكون لصالح المستهلك سواءاً في الأسعار المنخفضة أو جودة الخدمات العالية.

 

الخبرة 

الخبرة الطويلة، بيانات المستهلكين والأسبقية في السوق في صالح سوق.كوم بطبيبعة الحال، فسوق.كوم تعمل في المنطقة كمنصة تجارة إليكترونية منذ فترة ليست بالقصيرة، وذلك يعطيها أسبقية في السوق ومعرفة أقرب لسلوك المستهلك المحلي، أضف إلى ذلك خبرة أمازون العظيمة في الصناعة مما يجعل هذا المزيج في غاية القوّة.

بينما منصة نون أطلقت أعمالها في السعودية خلال الأيام الماضية، إلّا أن حجم الإستثمار في المنصّة وتطويرها بلغ أكثر من 3 مليار ريال (مليار دولار) وبتوجّه حديث وعصري يتناسب مع معظم الشريحة المستهدفة "الشباب"، ناهيك عن الذراع اللوجستي المتين "شركة أرامكس" والتي يمتلك فيها محمد العبّار "رئيس منصة نون" نسبة جيدة من أسهمها، والذي يقول أن السوق العربي بشرائحه العمرية الشابة أفضل مكان في العالم يناسب التجارة الإليكترونية، ويطمح بأن تكون منصة نون "لاعب رئيسي بتوجه مستقبلي على مدى طويل بتوظيف أفضل أدوات التكنولوجيا" وبتركيز عالي على خدمة الزبون.

 

البراندينج

أتحدّث عن البراندينج في نقطة مستقلّة لإيماني بأهميته في مثل هذه المنافسة، ولأني ألاحظ أن هناك تبايناً كبيراً بين المنصتين في الطريقة والأسلوب الذي يظهران به للمستهلك.

بالنسبة لي، لازلتُ أرى هوية سوق.كوم تميل إلى التقليدية في الشخصية إذا ما قارنتها بروح هوية منصة نون الشابّة اليافعة المفعمة بالحياة.

 صورة لموقع سوق.كوم (الصفحة الرئيسية)

صورة لموقع سوق.كوم (الصفحة الرئيسية)

 صورة لموقع نون (الصفحة الرئيسية)

صورة لموقع نون (الصفحة الرئيسية)

على العكس من منصّة سوق.كوم ومن خلال تصفحي في منصّة نون خلال الأيام القليلة الماضية، شعرت بحيوية كبيرة ورغبة أكبر في التصفح أكثر في  المنصة والمنتجات، ووجدتُ أنّي ميّال إلى الشراء أكثر، فاللون الأصفر "النشط" وتدرّجاته ومزجه مع اللون الوردي صنعا معاً روحاً شابّة ومحفّزة تُشعرك بأن التعامل مع هذه المنصّة أمرٌ ممتع.

وستلاحظ كذلك في أعلى صفحات منصّة نون أن أسلوب التصميم عصري جداً والأشكال المستخدمة كذلك جميعها ترسل إليك رسائل أن هذا المكان "ذكي" ناهيك عن ابتدائها بالعروض التي تثير فيك الفضول للدخول وبالتالي فرصة أكبر للشراء.

 

اللعبة أصبحت لعبة تجربة المستخدم/العملاء 

دائماً من خلال الماركتر أراهن على تجربة العملاء، وهي أحد الخدمات الرئيسية التي نقدّمها في الماركتر . الإيجينسي، وحين تتأمل في هذا التحدّي الشرس الذي نشهده بين هذه المنصّتين تجد أن المسألة مسألة تجربة المستخدم/العملاء، والتفوّق لمن يتمكّن من إحسان تصميم نظام تجربة مستخدم/عملاء متماسك، يضمن تصفّح سلس وسريع، معلومات وافية للمنتجات، صور متعددة وعالية الجودة للمنتجات، سرعة تنفيذ عملية الشراء، سرعة التوصيل وجودته، خدمة العملاء، خدمات ما بعد البيع، بالإضافة إلى المفاجئات والعروض التي تجعل يوم العميل أجمل.

لا شك أن معظم العملاء لديهم حساسية من الأسعار، وأن الإختلاف البسيط في السعر عند المقارنة قد يرجّح كفّة السعر الأقل، ولكن لن تكون للأسعار أي تأثير إذا كان هناك تبايناً كبيراً في تجربة العملاء، وبالنسبة لي قد أدفع كامل السعر لمنتج يصلني فعلياً في 4 أيام وبخدمة رائعة، ولا يجذبني شراء منتج مخفّض يصلني في 20 يوم، أو بإحتمالية أن منتج آخر يصلني بالخطأ، أو عند علمي أن إتصالي بخدمة العملاء "كالمستجيرِ من الرمضاءِ بالنارِ"

لا يستطيع أحد الحكم الآن في هذه المنافسة على من يتفوّق في هذا الشأن، إلّا أني أرى أن هناك جديّة كبيرة جداً ألتمسها من رئيس منصّة نون حين يكرر ويركّز على خدمة الزبون، وفي حين تفوّقت نون في هذا المجال ففعلياً ستكون كما رأها "لاعب رئيسي في المنطقة في التجارة الإليكترونية".

 

أخيراً أقول

أستطيع رؤية أننا في يومٍ ما سنتسوّق كل شيء إليكترونياً حتى "مناخيش الأسنان"، وسيصبح هذا السوق ضخم جداً جداً، وسيتكامل مع إنترنت الأشياء والمنتجات المرتبطة بها، وسيتكامل أيضاً مع الأنظمة الصوتية المساعدة مثل أليكسا من أمازون، سيري من آبل أو كورتانا من ويندوز، وستصبح أوامر الشراء ليست أبعد من أن تقول "أليكسا .. واحد موسي شعير پليز" تقولها وأنت تتمطئ وتتثاءب في ذات الوقت.