براند، مسوّق، سوق ومستهدَف

ثيمم13.jpg

في مرحلة دراستي الجامعية، كان محاضر أحد مواد التسويق يقول لي "الدراسة الأكاديمية للتسويق لا تناسبك، أنت شخص عملي وتنفيذي أكثر من أن تحفظ القوانين والأنظمة وتعمل بها (((كما هي)))"

وحين تأملت وجدتُ أني بالفعل أعطي كل إهتمامي للفكرة الرئيسية فقط، أفهمها، ثم أجد لنفسي طريقاً لتنفيذها، فلا أتذكّر التعاريف ولا أحفظ القوانين، بل أؤمن أن كل شخص يمتلك وجهة نظر مختلفة تماماً عن الباقين كاختلاف البصمة.

لعلّي قدّمتُ لك إلى الآن تمهيداً واضحاً عن وجهة نظري لهذه المسألة، ولكن ما أهدف إليه في هذه التدوينة، وكل تدوينة أقدمها في محتوى الماركتر هو أن تخرج بقيمة كبيرة يمكن تنفيذها بأسهل طريقة ممكنة.

 

المنطق هو العلم في التسويق

أؤمن أن المنطق هو العلم في التسويق، حين نقول "علم" فنحن نتحدّث عن ثوابت يمكن إختبارها وقياسها لنثبت من خلالها حقائق معينة، وأجد صعوبة كبيرة في التسليم أن هناك قوانين وثوابت في التسويق أكثر مما نعرفه منطقياً، فليس هناك تركيبة محددة في التسويق بطريقة محددة تضمن نتائج محددة، ولكن هناك:

 

براند/منتج/خدمة - مسوّق - سوق - مستهدف

 

المسوّق يفهم القيمة خلف البراند/المنتج/الخدمة ويترجم هذه القيمة (بأي طريقة كانت) إلى رسائل وأساليب يفهمها المستهدف وتتناسب معه (على اختلاف التوجهات والتفضيلات والمواصفات) ومع توجهات السوق، فليس هناك أي ضمانات لنتائج أي حملة تسويقية مهما كانت قوتها، وليس هناك معادلة لا تُخطئ في التسويق، كلها صحيحة حتى يُثبت العكس، والعكس صحيح.

أرى الثابت الوحيد هنا هو المنطق، مثل أن نقول: "أن يُستهدف العميل في المكان المناسب له"، أو "أن نظهر له الرسائل المناسبة له"، أو "أن تلبي كل احتياجاته" وهذه كلها بديهيات يعرفها المتخصص وغير المتخصص في التسويق لذلك أرى إطلاق وصف "علم" على التسويق إجحاف.

 

لا تكفي "البيانات" و "التحليل" لجعل التسويق علماً

حتى في النظر إلى البيانات، والتي تُعتبر "علم" في التسويق، هي كذلك تتطلب الفن كما يسميه "Mitch Joel" حين قال "Make love with data" أو "عاشر البيانات" لأن البيانات أرقام صمّاء، وأسلوب قرائتها وفهم ما بين سطورها هو ما يصنع قيمتها.

وأحد الأمثلة على ذلك هي، أني عندما أقرأ بيانات زوار مدونة الماركتر، فإن البيانات تقول لي أن لغة معظم قرّاء المدونة هي الإنجليزية! أو أن معدّل مدة الجلسات في الموقع هي 1,8 دقائق! فإن لم يكن لديك فهماً للبراند، السوق والمستهدفين يتجاوز هذه الأرقام فستكون ضحية لـ"علم التسويق".

 

ما هو الفن في التسويق!

الإرتباط الذهني التقليدي بالفن عند العامة يتمثّل غالباً في صورة "شخص يرسم، ينحت، يخطّ، يصوّر، يغنّي، يمثّل ..." ولكن حين نتحدّث عن الفن في إطار التسويق فنحن نتحدّث عن أمر مختلف.

برأيي الفن في التسويق هو في مدى قدرة المسوّق على فهم (البراند، السوق والمستهدف) وقدرته على تحويل هذا الفهم إلى قيمة تتناسب تماماً مع كل الأطراف، وكلما كانت القيمة التي يصنعها المسوّق مناسبة وملائمة للأطراف الثلاثة (على حدٍ سواء) كل ما كان فنّاناً أكثر في التسويق.

فقد يُجيد المسوّق صناعة قيمة تلائم البراند فيُحسن البراندينج، ويظهر البراند بأجمل صورة مناسبة له، ولكن لا يجيد صناعة رسائل وأنشطة تتلائم مع توجهات السوق أو الشريحة المستهدفة، والعكس في كل الإتجاهات صحيح.

لنفترض أن مها لديها "كوفي شوب" في جدة وتريد أن يكون هذا الكوفي شوب فاخر وفخم، وعيّنت سوسن كمسوّقة له، سوسن مسوّقة قويّة تجيد صناعة العلامات التجارية، وفعلاً صنعت علامة تجارية فخمة حسب الطلب وكانت الهوية تتناسب مع توجهات البراند بالتحديد. (هنا هي صنعت قيمة تتناسب مع البراند).

نظرت سوسن إلى السوق، فوجدت أن السوشيال ميديا هي الوسيلة الأنسب لإيصال رسائل وصوت البراند، ولكن اختارت منصة "بنترست Pinterest" لاعتقادها بأنها الأنسب لشخصية البراند الفخمة وركّزت عليها وبنت عليها كل أنشطتها التسويقية (هنا جابت العيد، صحيح قد تكون المنصّة مناسبة من حيث البراندينج، ولكن ليست مناسبة للسوق المستهدف وهو السعودية)

بعد أن جهزت حساب "بنترست"، كانت رسائلها في غاية القوّة والتأثير، من حيث المحتوى، التصميم، توقيت النشر وأياً كان المستهدف الذي يصل إليها تلفت نظره، يتأثر بها وفعلياً ينوي زيارة الفرع وفعلاً يشتري منه. (هنا كانت سوسن قوية كذلك في صناعة قيمة للمستهدف من خلال الرسائل ولكن لم تتماشى مع السوق)

أعود بك الآن لما قلته في بداية هذه الفقرة، وهو أني أرى أن فهم المسوّق لـ(البراند، السوق والمستهدف) وتحويل هذا الفهم إلى قيمة تتناسب معهم (على حدٍ سواء - على حدٍ سواء) هو ما يجعل المسوّق فناناً، ويخرجه من أن يكون "حيالله يطبق نظريات" إلى شخص يتفنن في ربط هذه الأطراف الثلاثة ببعضها البعض في منظومة متكاملة تتناسب مع كلٍ منهم (على حدٍ سواء)

وما الفائدة من أن تكون فناناً في التسويق إذا كنت لا تأتي بنتائج، ودعني أقول لك أن النتائج لا تكتمل إلا بالفهم لهذه الأطراف وفي قوتك في صناعة قيمة من هذا الفهم تتناسب مع كلٍ منهم (على حدٍ سواء)

 

!ما هو "فهم" البراند/المنتج/الخدمة، السوق والمستهدف

حتى نخرج من التنظير، ومن ترديد عبارة "يجب أن"، فأنت لديك براند/منتج/خدمة وسوق ومستهدف، كمسوّق أنت دائماً تخدم "البراند/المنتج/الخدمة" وتود إيصال قيمه، فكرته للمستهدف من خلال السوق.

البراند/المنتج/الخدمة

هذا البراند/المنتج/الخدمة لها قيمة، شخصية، خصائص، سعر فكلما تشبّعت وتشرّبت بها كلما استطعت أن تصنع منها قيمة تناسبها.

وأرى في كثير من الحالات تباين كبير بين شخصية البراند وبين أسلوب الترويج له، وهذه مشكلة المسوّق الذي لم يتشبّع بفهم البراند.

الإبداع والفن لا ينحصر في الإعلانات والترويج وكسب عملاء جدد فقط، فهذا الجزء الأسهل في التسويق كما ذكرت سابقاً في تدوينة "التكامل بين التسويق ونموذج العمل" بل في كيف تحافظ على صورة وقيم وشخصية البراند عندما تمثّله كمسوّق وتروّج له.

السوق

في السوق هناك منصّات، تقنيات، صناعات، توجهات و"ترندز" والسؤال، ماهي الأدوات والتوجهات الموجودة في السوق الأكثر ملائمةً للبراند الذي فهمته جيداً.

لا تتناسب إستراتيجية الإقتصار على التسويق الإستراتيجي أو الوارد بعيد المدى فقط لعلامة تجارية كالمراعي مثلاً، فلديها خط إنتاج مستمر بمنتجات بعضها بصلاحية قصيرة، كما لا يؤثر كثيراً التواجد على السوشيال ميديا لبراند يبيع منتجات باهضة الثمن تناسب الشركات، فهنا قد تلجأ إلى إستراتيجية أخرى كالزيارات الميدانية للشركات وعرض المنتجات بشكل أكثر إقناعاً و "إحتراماً" لها.

كذلك فهم التوجهات والترندز في السوق ستزيد من حساسيتك وفاعليتك كمسوّق في توظيفها في صالحك وصالح البراند الذي تسوّق له بعد أن فهمته جيداً.

المستهدف

بالتأكيد فهم الـ"Triggers" وما يثير الشريحة المستهدفة يسهّل عليك كمسوّق صياغة رسائل وتجارب تجذب العميل.

وكذلك يحكمك كثيراً هنا شخصية وقيم البراند وما يريد إيصاله من رسائل لعملائه، فإن الشخصية المحددة للبراند يعني شريحة محددة له، وقد ذكرت في تدوينة "كيف تحدد شريحتك المستهدفة" ما قد يهمك في هذا الجانب. 

 

الفن كل الفن في بناء قيمة معنوية لعلامتك التجارية

من وجهة نظري من يتمكن من بناء قيمة معنوية لعلامته التجارية Brand Equity هو المسوّق الذي يستحق أن يُطلق عليه "المسوّق الفنان" أو بالعامية "ختّم التسويق".

القيمة المعنوية هي القيمة التي يحملها لك العميل في نفسه، ولا يصل البراند لذلك إلا إذا كان فعلياً يفي بوعوده دائماً ويحقق طموحات العميل بشكل دائم وهذا يعني تكامل كبير لدى المسوّق في فهم البراند/المنتج/الخدمة، السوق والمستهدف وخلق قيمة تخدمهم جميعاً.

وقد أسهبت في تدوينة "مسوّق لا يخشى الفقر" ضمن (ثيم 8 - القيمة المعنوية للبراند) في كيفية صناعة القيمة المعنوية لعلامتك التجارية.

 

هل يتوجّه التسويق ليصبح علماً أكثر!

في الثيم الأول من محتوى الماركتر (ثيم 1 - كيف نسوّق في المستقبل) وتحديداً في تدوينة "التسويق والتقنيات القادمة" تحدّثت عن كيف أن التقنيات ستغزو وظائف البشر ناهيك عن الفن في التسويق.

تدخّل الآلة الكبير في أعمالنا حتى في حياتنا اليومية يجعل النقاش حول هذه المسألة ضيقاً جداً، فقد لا يحتاج المسوّق مستقبلاً أكثر من بعض الأوامر التي يعطيها للكمبيوتر أو التطبيق لتقوم الآلة بعد ذلك بالباقي (هذا إن كان المسوّق يسمّى مسوّقاً في ذلك الوقت) فقد قرأت مقالاً مؤخراً عن دور وظيفي حيوي ومهم ويتزايد حالياً وهو

"Chief Marketing Technologist - CMT" ودوره أن يسد الفجوة بين إدارة التسويق وإدارة تقنية المعلومات، وهذا مؤشر إلى أن التسويق الآن يتكامل بصورة فعليه مع التقنية حتى على مستوى الإدارة العليا "C-Suite".

 

أخيراً أقول

بالرغم أني أعتقد أن التسويق في معظمه فن، وإيماني أن الفن في التسويق هو ما يصنع الفرق، إلّا أن العبرة بالخواتيم، وكما يقول المثل الشعبي "اللي تكسب به إلعب به" ففي الأخير أنت كمسوّق لديك براند/منتج/خدمة تريد أن تصنع منها قيمة يحبها العميل لدرجة أن يشتريها ويعاود شرائها. إفعل ذلك.