التكامل بين التسويق ونموذج العمل

شريط التدوينة1.jpg

برأيي .. الجزء الأسهل من التسويق هو استقطاب عملاء جدد، بينما الجزء الأصعب والأهم هو الحفاظ على نظام داخلي متماسك لدى الشركة يضمن إستمرارية صناعة وتقديم قيمة حقيقية للمستهلكين من خلال تعاملاتهم مع الشركة بشكل دائم، وإذا لم يكن هناك أي نظام داخلي للدراسة والتطوير، أو لتجربة العملاء والحفاظ عليهم بأي شكل من الأشكال (فلا نضحك على بعض) فإن ما نمارسه ليس التسويق بل (ترقيع) وإجتهادات وإدراك ما يُمكن إدراكه.

ومن أهم الأنظمة الداخلية في الشركة هو (نموذج العمل) وهو آلية عمل الشركة، القيمة المقترحة، دورة حياة المنتج/الخدمة داخل الشركة، شركاؤها، وما هي التكاليف، وكيف تجني الشركة الأموال.

ناهيك عن نقاط الإلتقاء بالعميل سواءاً كانت على أرض الواقع كمقر الشركة أو المتجر، أو في الواقع الإفتراضي كالموقع الإليكتروني أو حسابات التواصل الإجتماعي أو غيرهما.

لا أحب حصر نموذج العمل في ما ذكرته أعلاه، ولكن هو كل نظام داخلي يُنمذج عمل الشركة ككل في إطار محدد وأسلوب ومنهجية منظّمة، حتى يسهل العمل ويعرف كلٌ دوره بالتحديد، ومع من يفترض أن يتعامل، والنتائج المتوقعة منه.

وهنا السؤال، ما علاقة التسويق بنموذج العمل وآلية عمل الشركة؟ وهل هما منفصلين؟

 

التسويق ونموذج العمل

أذكر لك مثالاً لحالة حصلت لي منذ زمن ليس بالبعيد، وهي أني بدأت العمل مع جهة تقدّم برامج تدريبية مختلفة للمجتمع والشركات، ولكن كانت لديهم مشكلة حساسة جداً، وهي أنهم دائماً (مستعجلين) ودائماً في (ترقيع) مستمر سواءاً لمواعيد الدورات، أو إيجاد المدرب، أو تنظيم قاعة التدريب، أو جمع وتصميم محتوى التدريب، أو الإعلان عن الدورة مما يجعلهم يعملون بإطار الوقت بدلاً من إطار القيمة، وبالتالي أصبح المكان فوضى ويعمل على مبدأ (طبطب وليّس ...) لم يكن هناك نموذج أو آلية عمل واضحة يستند عليها فريق العمل، ولكن ما هي نتائج هذه الفوضى؟

- سيتعرض عميلهم إلى خيبات أمل مختلفة، مثل عدم وجود حقيبة تدريبية، أو الإعلان عن الدورة في وقت متأخر.

- لن يتمكّنوا من تصميم تجربة عملاء جيدة لأن تجربة العملاء هي في الأخير نظام يربط نقاط الإلتقاء ببعضها.

- صعوبة جمع والتعامل مع بيانات المشتركين في البرامد التدريبية، فليس هناك أي آلية للنظر في البيانات مثل أعمار المشتركين، جهات عملهم، أو تفضيلاتهم لأن الكل منشغل في سد فجوة ما.

- ضياع وضعف البراندينج، فليس هناك وقت أو مساحة ووقت لإخراج محتوى عالي الجودة لرفع وعي العملاء عن البراند وخدماته.

لذلك تصعب ممارسة الأنشطة التسويقية بكفاءة مع نموذج عمل غير متماسك، لأننا نُدرك، وكما ذكرت في بداءة هذه التدوينة، أن التسويق ليس فقط إعلانات وجذب عملاء جدد فقط، ولكن معظمه وصعوبته تتركّز على ما بعد الإعلان وبعد استقطاب العملاء.

لذلك قمت بإضافة (تصميم نموذج العمل) كأحد العناصر الرئيسية لخدمة (الإستراتيجية) من الماركتر للشركات الناشئة والصغيرة، والتي سأقوم بالإعلان عنها في ثيم خاص بها قريباً بحول الله.

ونرى كثيراً التباين الكبير بين جاذبية الإعلانات والترويج وبين التعامل الذي نتفاجأ بركاكته بعد أن نقتنع بالتعامل مع الشركة، ودائماً هنا المشكلة مشكلة نموذج عمل وأنظمة داخلية ضعيفة، وقد تحدّثت عن الفجوة بين الإعلان والواقع في تدوينة (الفجودة بين الإعلان والواقع) ضمن (ثيم 4 - الإعلانات).

وحين تتأمل فيمن يجتهد في الإعلان وجذب العملاء أكثر من نظامه الداخلي هو كمن يستضيف الناس ليروا فوضويته ويقوم بالتالي إلى سد العثرات وتصحيح الأخطاء المترتبة على هذه الفوضوية.

 

دائرة الفوضى لا تنقطع 

فعندما يضعف التنظيم في جانب يزيد من الفوضى في الخطوة التي تليه، وأعتقد قد سمعت سابقاً عن "تأثير الفراشة" "Butterfly Effect" وأن الفوضى العظيمة هي في الأصل فوضى صغيرة مضاعفة.

أو قد تكون قرأت عن المسمار الذي تسبب في خسارة حرب، لأن المسمار تسبب في خسارة حذاء، وخسارة الحذاء تسببت في خسارة حصان، وخسارة الحصان تسببت في خسارة محارب، وخسارة المحارب تسببت في خسارة معركة، وخسارة المعركة سببت خسارة الحرب.

فالإخفاق في صناعة نموذج عمل متماسك يتكامل مع التسويق بالتأكيد سينتهي بنتائج سيئة كأن يقرر العميل التعامل مع الشركة المنافسة لتكرر الإحباطات، أو أن يتحدّث عن تجربته المؤلمة من خلال حسابه على تويتر ليعيد التغريد حساب آخر له مئات الآلاف من المتابعين، فينطلق "هاشتاق" على هذه الحادثة لتخسر الشركة الملايين على إثر نظام ونموذج عمل ركيك.

 

التكامل بين التسويق ونموذج العمل

لأني أؤمن أن التسويق هو إستراتيجية واضحة ونموذج عمل متماسك ومن ثمّ أنشطة تنبعث منهما وتحقق أهدافهما.

لذلك، وحتى تبدأ وتبني نشاطك التسويقي بشكل صحيح فلا بد أن يبتدأ ويُبنى على إستراتيجية واضحة ونموذج عمل مُحكم، فتُصبح الإستراتيجية كـ"نجم الشمال" والموجّه للشركة، ويصبح نموذج العمل القالب الذي تٌنفّذ من خلاله الإستراتيجية بشكل منظّم لا يدع أي مجال للتخمينات أو الإجتهادات أو الإرتجالات في تنفيذ الأعمال.

 

ولكن كيف يحدث ذلك! ومالرابط الذي يربط نموذج العمل بالتسويق! وكيف يمكنك كمسوّق أن تفهم هذه العلاقة بينهما لتوظّفها لصالحك!

 

1. نظام تجربة العملاء

تحدّثت بإسهاب عن كيفية تصميم نظام تجربة العملاء في تدوينة "شنكار"، تحدثت في تلك التدوينة عن جزئية تصميم نقاط الإلتقاء، وأنها أساس نظام تجربة العملاء، والسؤال هنا هو (كيف يمكنك بناء وتصميم نقاط إلتقاء دون أن يكون هناك نموذج عمل متكامل ومتماسك من الأساس!)

إذا تجربة العملاء وهي أحد أهم أنشطة التسويق ترتبط وتُبنى بشكل كلي على نموذج العمل، وعدم وجود نموذج عمل يلغي فائدة هذا النشاط تماماً.

2. البيانات

عمليات التسويق تعتمد على مدى معرفتك بعملائك، ومعرفتك بعملائك لا تأتي إلّا عن طريق البيانات التي تحصل عليها من تجارب عملائك معك، فعدم وجود نظام داخلي يجعل هذه البيانات تسبح في ملكوتٍ لا يراه أحد.

حين تمتلك نموذج عمل، وآليات محددة للعمل بسياق واضح، يمكنك حينها السيطرة بإحكام على مصادر هذه البيانات حتى يمكنك التعامل معها لاحقاً لتطوير أعمالك ولكي تستند أنشطتك التسويقية على بيانات حقيقية ذات معنى حقيقي.

مثل أن تضيف إجراء بسيط في نموذج العمل لجمع بيانات العملاء (مثل البريد الإليكتروني والتأكد من أخذ الإذن بالإرسال) هذه الخطوة بحد ذاتها كفيلة أن تصنع فرقاً في أنشطتك التسويقية، بينما حين لا يكون هناك آلية عمل واضحة ومحددة فمن الصعب تطعيم نظام الشركة الداخلي بإسقاطات تساعدك في جمع بيانات العملاء.

3. البراندينج .. والقيمة المعنوية لعلامتك التجارية

تحدّثت عن القيمة المعنوية للعلامة التجارية في "الكونسبت 009" وفي تدوينة "مسوّق لا يخشى الفقر" وأن القيمة المعنوية للبراند لا تأتي إلا عن طريق الوفاء المستمر بالوعود من خلال نظام داخلي صارم، وهذه النظام الداخلي الصارم هو نموذج عمل صارم حاد لا يُحابي ولا يرى غير (الأبيض والأسود) في كل ما يخص الوعود تجاه العملاء.

إن وصفت يوماً علامتك التجارية بأنها الأفضل في المنطقة، فماذا يعني ذلك!! هذا يعني أن هناك نموذج عمل في الداخل يتكامل ويتحالف مع التسويق للوفاء بهذا الوعد الكبير الذي يراه المستهدفين ويرفع سقف توقعاتهم.

ختمتُ تدوينة "مسوّق لا يخشى الفقر" بعبارة:

القيمة المعنوية للعلامة التجارية هي فقط وعود عظيمة ووفاء عظيم، ومن دونهما خرط القتاد.

و"خرط القتاد" يعني إزالة الشوك بكف اليد من نوع من أنواع الشجر له شوك مؤلم، وهو مثَل يُستخدم لتوضيح صعوبة أمر ما، وبالفعل، صناعة علامة تجارية ذات قيمة معنوية عالية أمرٌ مُجهد لا يُبنى على الإجتهادات بل يُبنى بأنظمة داخلية صارمة (روبوتية) لا مجال فيها للنقاش في ما يخص الوفاء بالوعود للعملاء.

4. التحكم

كمسوّق، سيساعدك نموذج العمل على التحكّم في أنشطتك التسويقية وصناعة قنوات لها يمكنك التحكم فيها بشكل أسهل، فمثلاً عندما تحدد في نموذج العمل أن هناك أحد الخطوات تتطلب التسجيل للحصول على الخدمة، فهنا يمكنك التحكّم في آلية التسجيل لتخدم توجهاتك التسويقية كجمع البيانات ذات العلاقة مثل (العمر، الجنس، الدخل ...) أو إضافة معلومة مهمة في نموذج التسجيل مثل إخبار العميل عن منتج/خدمة جديدة.

5. القياس

منطقياً سيصبح قياس الأداء أسهل، لأن هناك آليات ونموذج عمل محدد وواضح، لذلك ستتمكن من وضع أدوات قياس محدد لكل نقطة من نقاط العمل.

فمثلاً عندما تكون أحد خطوات العمل هي تعبئة نموذج محدد عبر الموقع، أو إرسال بريد إليكتروني معين فستتمكن من قياس ذلك الإجراء بشكل بديهي، حيث وجود قنوات قياس مختلفة في عدة نقاط في نموذج العمل ستمكّنك من أن تتكون لديك "لوحة تحكم" "Dashboard" وهي كذلك أحد عناصر خدمة "الإستراتيجية" أحد خدمات الماركتر القادمة.

 

وهنا أقول

في الكثير من لقاءاتي الأولية مع الشركات التي ترغب في أحد خدمات الماركتر، أجد أن المشكلة الرئيسية هي في الأساس مشكلة نموذج عمل، حيث يتوجّب البدء في ترتيب "المنزل" أولاً وتجهيزه بالكامل ومن ثم الإنطلاق بدعوة العملاء "المعازيم"، فقد يغيّر العميل رأيه في التعامل مع شركة ما فقط لعدم وضوح الخدمات وآلية العمل، أو يأخذ إنطباعاً أولياً غير ملائم، أو يتوقّف عن تكرار الشراء لتجربته السيئة مع الشركة.

إختبر قوّتك كمسوّق في مدى إستمراريتك في صناعة قيمة حقيقية لعميلك بشكل يومي ومستمر من خلال كل نقاط إلتقائه بك عبر نموذج عمل قوي يتكامل مع أنشطتك التسويقية وستكتشف الفرق.