حرباء

شريط ثيم 7 - الرشاقة التسويقية

انا شخص سريع الملل، أحب دائماً التجديد والإختلاف، وهذا أكثر ما جذبني للتسويق وأحد ما أثار حماسي لإنشاء مشروع الماركتر، لأني كمسوّق قد أعمل اليوم على تسويق منتج بمعطيات معينة عن السوق، وفجأة تحدُث أزمة إقتصادية في هذا السوق، لأبدأ بالعمل على تحديث إستراتيجتي (وليس الخطة) وتغيير أنشطتي التسويقية لتتلائم مع المتغيرات والقوة الشرائية الجديدة على سبيل المثال، وهذا بحد ذاته من الميزات الأولى بالنسبة لي لتخصص التسويق وخصوصاً العمل كوكالة تسويق "إيجنسي" وذلك للتنوع الشديد في المشاريع، أنواعها، أهدافها، أسواقها، مستهدفيها، خصائصها، إستراتيجياتها التسويقية وما إلى ذلك.

 

ديناميكية السوق ومتغيراته

السوق أصبح أكثر ديناميكية من ذي قبل، وخصوصاً أننا مقبلين على مرحلة ما بعد الإعتماد على النفط، فالتغييرات في الأسواق العالمية ستأثر على أسواقنا بشكل أكثر مباشرةً من ذي قبل حين كنا نعتمد على النفط كأحد أكبر المصدّرين.

أضف إلى ذلك أمرٌ مهم للغاية، وهي ثقافة المشاريع ذات الأفكار "التخريبية" "Disruptive" والتي تأتي لتدمّر أساليب ونماذج أعمال المشاريع والشركات القائمة ذات نماذج عمل "قديمة" و "تقليدية" والتي أصبحت "قديمة" و "تقليدية" فقط لأن هناك تقنية أو فكرة أو نموذج عمل يعتمد على مبدأ تخريبي قد يكون تقني في الغالب. ولا أعتقد شخصياً بإشتراط أن يكون المشروع تقني ليكون تخريبي، ولكن أحياناً الفكرة ذاتها تكون تخريبية، فقد ترفع الفكرة معايير العملاء والسوق إلى مستوى لم يُعهد من قبل ليُحرج بذلك الشركات التي لا تعمل بهذه الفكرة، وبذلك يتم خلق ما يُسمى في صناعة البراند بـ "Must Have" أي ضرورة أساسية يجب توفرها في المنتج أو الخدمة أو البراند فقط لأن أحدهم قام بتطبيقها وكانت لها قيمة وتأثير.

كثرة/قلة الخيارات لدى العملاء كذلك من المتغييرات في السوق، فتكرر ولادة منتج/خدمة/براند جديد في ذات الصناعة أمرٌ مقلق للشركات القادمة، وكذلك الإستحواذات (والتي لا نشهد الكثير منها محلياً) أمرٌ آخر مُربك للشركات الصغيرة والتي تصبح أصغر مع هذه الإستحواذات، لأن الإستحواذ يعني أن شركة كبيرة تبتلع شركة أخرى "ذكية، نشيطة، لها مستقبل واعد" ليصبحان على قارب واحد ضد كل المنافسين الآخرين، فلا شك أن استحواذ أمازون لسوق.كوم أمر في قمة الإرباك لشركة وادي مثلاً، أو جولي شيك أو نون.

وبالتأكيد لن تنسى التوجهات والـ"Trends" الجديدة، سواءاً على صعيد السوق والعملاء أو على صعيد الصناعة التي تعمل بها، فمثلاً، قبل عدة سنوات ظهرت ظاهرة التصميم المسطّح "Flat Design" ليتغير سوق التصميم بأكمله ليتماشى مع هذا الترند "طويل النفس" حتى أنك الآن دون أن تشعر، أصبحت عينيك تألف الشعارات والهويات البصرية والتصاميم المسطّحة أكثر من الأسلوب السابق في التصميم. كما أن تقليعات الأزياء، على صعيدٍ آخر، تتغير وبشكل متكرر، خصوصاً لدى الفتيات حيث تمر أكثر من 5 صيحات لهن بينما الرجال لا يزالون "مكانك راوح" في ذات الموضة، وكبراند متخصص في الأزياء كـ"H&M" مثلاً يهمه هذا الأمر جداً ومن البديهي أن يكون العمود الفقري لاستراتيجته التسويقية.

لا .. لم أنسى التقنيات بطبيعة الحال، محور واقعنا الآن، ودعني أضرب لك مثالاُ، هل تتذكّر قبل عدة سنوات عندما شاهدت أول فيديو عمودي على جهازك الذكي، وكم كان يبدو ذلك غريباً ونشازاً بالنسبة لك في ذلك الوقت، ولكنك الآن أصبحت لا تلتقط إلّا صوراً بالوضع العمودي، و"راحت أيام الصور اللي بالعرض" بل أصبح التصوير العمودي هو المعيار "Market Standard" في الكثير من منصات التواصل الإجتماعي سنابتشات، إنستقرام، بيرسكوب، بينترست وفيسبوك. 

ناهيك عن التقنيات القادمة كما تحدّثت عنها في الثيم الأول من محتوى الماركتر (ثيم 1 - كيف سنسوّق في المستقبل) من خلال تدوينة (التقنيات القادمة والتسويق) وكيف ستشكّل وتصنع واقعنا.

 إذاً ...

ما رأيك في المسوّق الذي يواجه كل هذه المتغيرات الديناميكية في السوق بـ"خطة واحدة ثابتة"!

وما رأيك في المسوّق الذي لازال يعمل بمنهجية الـ"فور بيز" كأساس لأنشطته التسويقية!

أو ما رأيك في المسوّق الذي لا يعلم مالذي يحدث في السوق، ولا آخر التوجهات، ولا يقرأ عن جديد السوشيال ميديا، ولا يستمع لآراء الناس ولا يهتم بها!!

وما رأيك في المسوّق الذي يعمل ويفكّر بـ"منهجية الحرباء" فيتشكّل ويتلوّن مع السوق ومتغيراته باستراتيجيات مرنة يغيّرها ويحدّثها برشاقة كما يريد السّوق!
 

تآمرت "الخطّة الثابتة" يوماً على "الإبداع" فقتلته

نعم .. شخصياً أؤمن أن الخطة التسويقية الثابتة ألد أعداء الإبداع والخروج من المألوف، بل أشعر أنها تُغلق علي داخل صندوق زجاجي، أعتقد بداخله أنّي حرٌّ طليق، إلّا أني لست كذلك بالفعل.

ومن وجهة نظري .. أرى أن العمل بخطة ثابتة ممل .. ويكفيني من الملل أن أعرف ما سأقوم به بعد عدة أشهر من الآن وأن أُصبح مقيّداً به.

تخيّل معي ..

هناك مسوّقان ..

أحدهما يجب أن يصل إلى هدف محدد خلال 3 أشهر (حسب الخطة الثابتة)

والآخر لديه هدف واحد واضح جداً، عظيم وبعيد الأمد (عشرة سنوات مثلاً) ويسعى للوصول له بأي طريقة كانت.

أيهما يمتلك حريّة أكبر في التفكير والإبداع!

الأول يستيقض وينام وفكره محصور بهذا الهدف (حسب الخطة الثابتة)

والثاني يعمل بلا قيود .. يسير إلى وجهة عظيمة محددة بعيدة  (كأن يصبح فعلياً البراند الأول من نوعه في المنطقة) ولكن يعمل بحريّة مطلقة، بدون خطة ثابتة، فقط بإستراتيجية كما سيأتي معك في هذه التدوينة.

بالنسبةِ لي، إمتلاك خطة ثابتة (مهما كانت مرنة) يعني أني أقيّد تفكيري في صندوق هذه الخطة وأهدافها (مهما كانت مرنة)، وفي زمننا هذا .. أن تخطط لعشرة أشهر قادمة، يعني أنك تتجاهل المتغيرات الجوهرية التي قد تحصل بين ليلة وضحاها.

وعلى سبيل المثال، ما التغييرات الجوهرية التي قد تحصل لخطة تسويقية (ثابتة) لشركة سيارات سعودية بعد القرار المفاجئ بالسماح بقيادة المرأة للسيارة في السعودية! انا أتخيّل قبل القرار كانت هناك ميزانيات قد رُصدت لأنشطة تسويقية معينة، وتم تخصيص فرق عمل مسبقاً لأنشطة محددة (حسب الخطة الثابتة) والآن قد تتغير أمور كثيرة وأولها التركيز على جذب المرأة إلى البراند وتضمينها ضمن الإستراتيجية التسويقية، فقد عاشت هذه الصناعة "الله وكيلك" دهراً طويلاً تستهدف المستهلكين الرجال فقط، وفي لحظة أصبح لدى هذه الشركات (جنس آخر) مستهدف، (إنت متخيّل) 

ولكن قد تتسائل، "أيش يعني أسوّق بدون خطة ثابتة! كذا عشوائي!"

إستبدل الخطط الثابتة بـ"نجم الشمال" "راية" "سارية" أي هدف واحد عظيم بعيد الأمد (عشر سنوات مثلاً) تنظر إليه بين الحين والآخر لتتأكد أنك على المسار الصحيح .... وتمضي.

 

 الإسترايجية بدلاً من الخطة الثابتة

برأيي .. أنت مسوّق رائع حين لا تقيد نفسك بخطة تسويقية ثابتة، ولكن بالتأكيد لا غِنى لأي مسوّق عن الإستراتيجية التسويقية.

الإستراتيجية هي المنهجية والأسلوب الذي تتبعه في أنشطتك التسويقية أياً كانت، وبالتأكيد يعود ذلك إلى إستراتيجية البراند التي توضّح أين يقف البراند وأين يتّجه (والإستراتيجية هي أحد خدمات الماركتر للشركات والتي سأعلن عنها قريباً في ثيم خاص بها) وأيضاً الهوية المؤسسية الخاصة بالبراند (وهي كذلك أحد خدمات الماركتر للشركات والتي سأعيد الإعلان عنها في ثيم خاص بها) فحين يصبح لديك (الإستراتيجية) و (الهوية المؤسسية) الخاصة بعلامتك التجارية بشكل واضح فقد اكتملت لديك الصورة بوضوح 8K، ولا أرى حينها ما يُعيق بناء إستراتيجيتك الخاصة في التسويق.

من خلال لقائي مع عدة عملاء للماركتر، وخصوصاً رواد الأعمال أصحاب المشاريع الناشئة، أجد من المهم والحيوي جداً أن يكون لديهم الوضوح التام لإستراتيجية التسويق والنهج الذي ينتهجه البراند في التسويق والذي يفترض أن يرتبط بإستراتيجية البراند الرئيسية وكذلك الهوية المؤسسية، فدفع البراند أو المنتج أو الخدمة للجمهور بدون رؤية واضحة ونهج محدد في التسويق أمر مقلق جداً.

rsz_صور_التدوينة1.jpg

منهجية الـ"حرباء" في التسويق

كما ذكرت في بداية هذه التدوينة، هناك متغيرات في السوق، وما له علاقة الآن قد لا تكون له علاقة بعد أشهر من الآن، باعتبار إعتمادنا بشكل كبير على التسويق الإليكتروني ومنصات التواصل الإجتماعي والمؤثرين والتي تتغير مع التغير التقني الذي هو الآخر يتغير بشكل متسارع جداً الآن.

هناك جميل، وهناك مناسب، وفي التخلّي عن الجميل للمناسب ألم وحسرة، ولكن ليس هناك أكبر من السوق، وعلى سبيل المثال، أجد من المؤلم بالنسبة لي أن أركّز في تطوير موقع الماركتر على تجربة الأجهزة الذكية قبل الكمبيوتر، لأني أعلم يقيناً أن هناك الكثير من التفاصيل الجميلة التي نفقدها في التصفح من الجهاز الذكي، ولكن هي قوّة السوق، وبما أني أعشق عالم صناعة الأفلام فانا أشعر وأتفهّم ألم صانعي الأفلام على أفلامهم التي عملوا عليها أسابيع أو شهور، تصوير، تحرير، تصحيح الألوان وبدقّة شديدة ليتم إستعراضها على جهاز لا يتجاوز عرضه راحة كفّين وبمكبّر صوت الجهاز نفسه .. مؤلم .. ولكن هي قوّة السوق.

المسوّق الحكيم يتكيّف ويتشكّل مع السوق ورغباته، بل ان الإختبار الحقيقي للمسوق الحقيقي من غيره هي تغيرات السوق ومن لديه هدوء وتؤدة الحرباء، يتشكّل ويمضي، ومن يصمد أطول، وكما ذكرت آنفاً في هذه التدوينة، فالإستراتيجية "نجم الشمال" "الراية" "السارية" البعيدة التي ينظر إليها المسوّق بين الحين والآخر هي ما تطيل نفسه، وتجعله أقوى وأشدّ بأساً في الظروف.

الملائمة الدائمة في التسويق حيوية للغاية، وذات تأثير كبير على المستهدف، حين تُخاطبه بما يألف جداً، وهذه ميزة عظيمة وملَكَة جبّارة لدى المسوّق ويعود ذلك إلى مدى إطّلاعه على السوق المستهدف وإلى أي حدٍّ يستطيع تسخير ذلك الفهم لصالحه.

 

كيف نسوّق بمنهجية الـ"حرباء"

برأيي هناك فرق كبير بين عمل مسوّق لإنجاز مهمة وتنفيذ هدف من أهداف خطة مسبقة التخطيط ويعمل بشكل "روبوتي" لا يرى أبعد من أصابع قدميه، وبين المسوّق الذي يعمل بشكل إستراتيجي، يهمّه "نجم الشمال" البعيد الذي يقحمه في كل ما يعمل، دائماً الأخير لديه سعة صدر وتقبّل أكبر للأفكار خصوصاً تلك التي تعود بعوائد قليلة الآن .. كبيرة لاحقاً.

الإطلاع الدائم على الجديد، في مجتمعك، صناعتك (التسويق)، التقنية وخصوصاً الجديد منها، أخبار منصّات التواصل الإجتماعي وتحديثاتها لأنها وبلا شك تضم أكبر التجمعات للمستهدفين، والإستماع للبودكاستات المتخصصة (وقد ذكرت عدة منها في تدوينة (قنوات بودكاست تهم كل ماركتر) حيث سيكون فيها تحديثاً لقنوات أخرى مفضلة لي.

لا أود أن أقول السرعة، لأني لستُ من عشّاق السرعة في العمل وليست من معايير خدمات الماركتر، ولكن دعني أستبدل كلمة السرعة بالملائمة، بمعنى أن تكون ملائماً للمستهدفين والتحدّث لهم بما يألفون ...

وهنا أود أن أقف وقفة تأمّل، لأتحدّث عن ما نقدّم "كمسوقين" وبين ما نطمح له "كمستهلكين" وكما ذكرت في عبارة في أحد تغريدات محتوى الثيم الثالث من محتوى الماركتر (ثيم 3 - الإنسانية في التسويق

المعاملة الإنسانية التي نتمناها عندما نكون مستهلكين ..
هي ذاتها المطلوبة منا عندما نكون مسوقين.

المستهلك هو أنت .. ولكن في لعبة "تقمّص الأدوار"، تستأذن من عملك لتذهب إلى البنك وتعود وأنت تتذمّر من سوء تعاملهم معك، وأنهم لم يقومو بخدمتك سريعاً، لتعود إلى عملك، ويأتيك "عميل" إستأذن من عمله ليأتي إليك .. فما القصّة التي سيرويها عنك !

وهنا تظهر قوّة التعاطف وإمكانية رؤية الأمور من وجهة نظر الآخر والتلوّن كالحرباء تماماً كما يريد المستهلك.

كذلك مما يسهّل العمل بمنهجية الـ"حرباء" هو متابعة آخر التوجهات "الترندز" إما لإستغلالها في أنشطتك التسويقية وإمّا ، وهذا الأهم والأجمل، وهو أن تفهم كيف يفكّر المجتمع المستهدف، ومالذي يثير إهتمامه ويحرّضه للمشاركة والحديث.

وشخصيّاً أؤمن كثيراً بأهمية التعرف على التوجهات "الترندز" بشكل دوري، لدرجة أني بدأت في 2015 حساب على تويتر بإسم "ترندزي" كنت أذكر فيه أهم الكلمات المفتاحية الأكثر بحثاً على قوقل وبعض الأسباب التي جعلتها كذلك، لأني أهتم كثيراً بالتوجهات وأعتقد أنها هي النافذة لمعرفة إهتمامات مجتمع معين ومالذي يثيره كما ذكرت في تدوينة قصيرة عن سبب إنشاء "ترندزي" ووجهة نظري بخصوص الترندز (مُعجب بكلمة الماركتر منذ ذلك الوقت)

 

أخيراً أقول

السوق كالأيام، سواءاً كانت باردة أو حارّة، آمنة أو مرعبة، هي تمضي ولا تبالي، المشكلة والتحدي في أننا لا نملك خيار أن نخرج منها .. لذلك التكيّف والتشكّل معها حِكمة.