مسوّق لا يخشى الفقر

شريط التدوينة

القيمة المعنوية للعلامة التجارية أو ما يٌسمّى بـBrand Equity من أكثر المواضيع جاذبية بالنسبة لي في التسويق، قد يكون لاعتمادها على العمل بشكل إستراتيجي مما يتطلب طول النفس وهذا الأمر بحد ذاته مثير جداً لي.

القيمة المعنوية للعلامة التجارية "لعبة المسوّق الحكيم" من لديه العمق في ممارساته التسويقية، ومن يستطيع أن يرى بعيداً جداً أبعد من مبيعات السنة، عدد زوار الموقع لهذا الشهر أو معدل تفاعل العملاء على حسابات التواصل الإجتماعي، لأنه يؤمن أن قيمة شركته المعنوية لدى العملاء على المدى البعيد هي الهدف الرئيسي في كل الأنشطة التسويقية على الإطلاق ولأنها ستضمن له لاحقاً هامش ربح عالي يدفعه العميل بسعادة لمدة أطول.

بالنسبة لي، الإهتمام بالقيمة المعنوية للعلامة التجارية هي الفارق بين المسوّق الحقيقي القوي والمسوّق "الهاوي" الذي يتّبع ويطبّق "كليشات" وعبارات ومفاهيم تسويقية "معلّبة" يحفظها ويرددها في كل مكان، وبإختصار .. المسوّق الذي لا يستطيع صناعة قيمة معنوية لعلامته التجارية هو لا يطبّق من تخصص التسويق إلّا القشور.

القيمة المعنوية للعلامة التجارية هي تكامل الشركة "البراند" بشكل كامل في صناعتها، هي أن تكون الأولوية لتجربة العملاء، هي أن يسترد العميل المبلغ في حال لم يرضى بالخدمة وإن كانت الشروط تنص على عكس ذلك، هي الذهاب إلى أبعد من المطلوب والمتوقّع من العميل، هي أن تصنع وعوداً عظيمة لعملائك وتصنع خلفها أنظمة صارمة حادّة لا تُحابي لتنفيذ هذه الوعود. 

 

مسوّق يسوّق كتسويق "من لا يخشى الفقر"

القيمة المعنوية للعلامة التجارية تتطلب الكثير من التضحية، والرسالة هنا إلى المؤسسين من رواد الأعمال ومدراء الشركات التنفيذيين، الإستثمار في "البراند" أعظم من الإستثمار في الإعلانات وزيادة المبيعات وعوائده أكثر إستدامة.

فالإستثمار في تقديم محتوى ذو قيمة لعملائك على منصّة يوتيوب مثلاً، بالتأكيد عوائده أكبر على المدى البعيد، على مستوى البراند وثقة العملاء بالبراند من الحملات الإعلانية المكلفة ذات التأثير القصير.

تخيّل معي أن عميلاً مهتم كثيراً بالسيارات، ثم يجد محتوى ذو قيمة عالية جداً على اليوتيوب لشركة سيارات سعودية، المحتوى يقدّم معلومات حقيقية ذات نفع حقيقي للعميل وفي قالب عالي الجودة، تم تصويره بكاميرات متقدّمة، وكان هناك إهتمام دقيق بجودة الصوت باختيار مكبرات صوت "ماكروفونات" تنقّي الصوت من الأصوات المحيطة غير المرغوب فيها ليستمع المشاهد (العميل) إلى صوت بمستوى إحترافي، ثم أن مقدمة هذه المقاطع تم الإستثمار فيها لدى شركة متميزة في "الموشن جرافيكس" لتعطي المشاهد إنطباعاً أعلى عن ما سيشاهده، ثم أن المحتوى تقوم الشركة بدراسته، التحقق من ملائمته للعملاء وتوجهاتهم الحالية والتأكد من أنه محتوى فعلياً يقدّم قيمة حقيقية ونفع للعملاء، ويتماشى مع توجهات وشخصية البراند، فمثلاً لو كانت الشركة هي دودج فبطبيعة الحال سيكون طابع المحتوى حادّ، رجولي، قوي، جريء .. وهكذا.

إذاً .. تخيّل أن هذه الشركة تقوم بهذا العمل بإستمرار لمدة سنة!! تخيّل معي حجم ولاء العملاء لهذه الشركة، وتخيّل قيمة الشركة المعنوية خلال 3 سنوات من هذا المحتوى القيّم المتواصل دائم الجودة والجمال!!!

ستنفق الشركة كثيراً على هذا العمل، ستتخلّى الشركة عن بعض الأنشطة الترويجية الأخرى ذات التأثير السريع، وتركّز على صناعة القيمة المعنوية للبراند، لأنها بعد ذلك ستصبح الخيار الأول للعميل لأنه سيُحب أن ينضم لهذا الرقيّ ولهذا الجمال المتواصل ولهذا البراند الذي يقدّم له كل هذه القيمة العظيمة بهذه الجودة العظيمة.

 

لذلك العميل ينفق كمن لا يخشى الفقر

عن تجربة شخصية، فقد خضت تجربتين مختلفتين تماماً، تعجلتُ الربح في الأولى فكانت الخسائر أكبر من المتوقع، أما في الثانية فقد جعلت الأولوية الأولى في كل ما أعمل للبراند وقيمته المعنوية لعملائي وكانت النتائج فاتنة طبعاً على مدى أطول من التجربة الأولى.

أؤمن أن ليس في الحياة أكرم وأكثر سخاءاً من علامة تجارية لها قيمة معنوية قوية عند عملائها، وليس هناك عميلاً أكثر سخاءاً من ذلك الذي يشتري من علامة تجارية يُحبّها وينتمي لها.

حين ترى أحدهم يُنفقُ الملايين لشراء سيارة، أو مئات الآلاف مقابل فستان من ذلك المصمم، أو عشرات الآلاف مقابل ساعة، أو الآلاف مقابل ليلة في فندق، أو المئات مقابل مستحضر تجميل، أو العشرات مقابل كوب قهوة فليس هذا جنوناً بل هم يدفعون تلك المبالغ بإيمانٍ كبير أنهم فعلياً يتحصّلون على قيمة مساوية لتلك المبالغ حتى وإن كانت تلك القيمة هي ذلك الإحساس والمكانة أو "البرستيج" الذي يشعر به بمجرد إقتناءه لمنتج يحمل إسم ذلك البراند.

 

كيف نصنع قيمة معنوية للعلامة التجارية!

حتى نكون عمليين، فعلياً هناك ما يمكنك فعله حتى تتمكن من الوصول إلى هذه القيمة المعنوية لعلامتك التجارية، وهنا أذكر لك بعض الممارسات الجوهرية للوصول لها.

 

وضوح الإستراتيجية والبراند

القيمة المعنوية للعلامة التجارية هي وعود ووفاء مستمرين لفترة طويلة، ولا يمكن عمل ذلك إذا لم تكن هناك إستراتيجية واضحة وهوية متماسكة مبنية على أسس متينة مع عكسها تنفيذياً في جميع أنشطة البراند التنفيذية.

وعلى سبيل المثال، سرعة حصولك على الطلب من ماكدونالدز أمر حتمي بالنسبة للبراند، وتنفيذاً لهذه القيمة، فإن البراند قد صنع أنظمة داخلية معقّدة لا يُعذر من يتجاهلها، هنا أصبح للهوية قيمة "تنفيذية" من خلال خلق نظام خاص بها يضمن تقديمها للعميل بشكل مستمر غير منقطع أبداً للوصول للقيمة المعنوية للبراند.

وضوح إستراتيجية البراند، من حيث الرؤية الإستراتيجية، الصناعة، العملاء، المنافسون ونموذج العمل وما إلى ذلك يحدّد مدى ثبات وتماسك الأنشطة التسويقية وأنها ليست إرتجالية ولكن مبنية على رؤية إستراتيجية للبراند بعيدة المدى مما يجعل الأنشطة التسويقية ذات بعد إستراتيجي، وحين نقول عن شيء في التسويق "إستراتيجي" فنحن نتحدّث عن القيمة المعنوية للعلامة التجارية.

"الإستراتيجية" أهم خدمات الماركتر القادمة أستهدف بها الشركات الناشئة والصغيرة لصناعة الوضوح التام لها ولأنشطتها وأعمالها التسويقية، وسأقوم بالإعلان عن الخدمة في ثيم خاص بها، كما سأقوم بإعادة الإعلان عن خدمة تطوير وتصميم الهوية التجارية (المؤسسية والبصرية) في ثيم خاص بعد ثيم خدمة "الإستراتيجية".

 

الحد الأدنى للبراند

في تدوينة سابقة لي "براند منذ المهد" على مدونة الماركتر، تحدّثت عن كيفية صناعة الحد الأدنى للبراند من خلال الإجابة على ستة أسئلة واضحة عن علامتك التجارية ليصبح لديك الحد الأدنى للبراند.

بالتأكيد قد يكون من الصعب على العلامات التجارية الجديدة أن تنفق مبالغاً كبيرة لصناعة علامتها التجارية، ولكن يظل هناك خيار "أن تبدأ صح" وعلى أساس قوي، ليكن بعد ذلك من السهل عليك لاحقاً تحويل هذه العلامة الصغيرة إلى كبيرة بشكل سلس مع ذات القيمة المعنوية التي تم كسبها.

 

الأولوية دائماً للبراند

هنا التحدّي، لأننا حين نقول الأولوية للبراند، فنحن نترك الكثير من الأرباح والعوائد السريعة على الطاولة مقابل كسب ثقة وحب العملاء.

ومثال على ذلك، هو أني أرفض قبول مشاريع من خلال الماركتر إذا كانت غير واضحة من حيث الإستراتيجية أو الهوية، وذلك لعدم رغبتي أن يرتبط إسم الماركتر بعلامة تجارية ركيكة أو ذات أمل ضعيف، بالتأكيد هنا خسارة مالية لعدم قبولي للمشروع، ولكن الخسارة ستكون أكبر حين يرتبط البراند ببراند آخر ذو سمعة غير جيدة. 

"Go Brand" كلمة أكررها على كل من أتحدّث معه من رواد الأعمال أصحاب المشاريع الجديدة، وتعني أن تعطي الإهتمام الأول للبراند وتحبس أنفاسك وتفكّر وتعمل بإستراتيجية كما فصّلت في تدوينة "كيف تكون مسوّقاً إستراتيجياً" في (ثيم 6 - التسويق كحلول إستراتيجية) 

 

البحث والتطوير

مالذي يجعل المنتج أو الخدمة التي نراها من بعض العلامات التجارية ذات جودة عالية جداً ونشعر بالسعادة من حجم التفاصيل التي تم الإنتباه لها في ذلك المنتج أو الخدمة! إنه البحث والتطوير Research & Development وهو ما تنفق عليه الشركات الكبيرة أموالاً طائلة وتخصص له إدارات وفرق عمل خاصّة.

في البحث والتطوير تولد الأفكار، ويُبحث عنها بحثاً مستفيضاً، ويتم دراستها وتطويرها وتصميمها لتتلائم فعلياً مع متطلبات واحتياجات العميل بشكل دقيق ومبهج وذو قيمة حقيقية فريدة.

لا أقول بوجوب وجود إدارة خاصة بالبحث والتطوير في كل مشروع جديد مثلاً، ولكن أن يتم الإهتمام بهذا المبدأ كأساس لكل منتج أو خدمة تقدمها الشركة جدير بحد ذاته أن يضمن البراند أن ما يقدّمه سيكون شديد الملائمة للعميل وذو جودة عالية تليق بمستوى البراند وبالتالي! .. ماذا! .. قيمة معنوية لعلامتك التجارية.

 

مبدأ التصميم

أنت وعلامتك التجارية بخير طالما يُبنى كل شيء على مبدأ التصميم، لأنه دائماً يخرج بنتائج تتمحور حول الإنسان كما ذكرت في أحد أقدم تدويناتي "التفكير التصميمي بعين ماركتر" تجد أن هناك تزاوج سعيد بين مفهوم "تجربة العملاء" والتفكير التصميمي.

وقد تحدّثت كذلك بالتفصيل عن كيفية صناعة تجربة العملاء باستخدام التفكير التصميم في أحد أكثر التدوينات قراءةً في مدونة الماركتر وهي تدوينة "شنكار" والتي تمحورت فيها حول مفهوم تجربة العملاء وارتباط تنفيذه بالتفكير التصميمي.

 

أنظمة صارمة في التنفيذ

وهنا يُصنع الفرق، حين يكون نظام التنفيذ صارماً لا يترك فرصة لكائنٍ من كان أن يتهاون أو يتساهل في تقديم القيمة والجودة التي يعد بها البراند لعملائه، هكذا فقط يضمن البراند وفاء وعوده لعملائه، فقبل تقديم أي منتج أو خدمة وقبل وعد العملاء بمستوى معين من الجودة تأكّد من وجود نظام واضح جداً وحاد وصارم للتنفيذ.

 

أخيراً أقول .. وعود عظيمة .. ووفاء عظيم

القيمة المعنوية للعلامة التجارية هي فقط وعود عظيمة ووفاء عظيم، ومن دونهما خرط القتاد.