أيهما أقوى تأثيراً، الإنفلونسر أم البراند

منصّات التواصل الإجتماعي وباستمرار تغير في خوارزمياتها لتضمن لمستخدميها تجربة إستخدام أفضل، وذلك بجعل أفضلية العرض تكون للمحتوى ذي العلاقة بتوجهات المستخدم وتفضيلاته.

ولكن .. هذه التغييرات تضيّق الخناق على العلامات التجارية في الظهور للمستخدمين من خلال إعلاناتها المدفوعة على منصات السوشيال ميديا، ناهيك عن المحتوى غير المدفوع الذي يبثّه البراند، وبغض النظر عن أن المستخدمين لا يحبون الإعلانات، ولا المحتوى المقدّم من العلامات التجارية بشكل عام لأنهم يظنون أنه لأغراض ترويجية ليس إلّا.

أعداد المستخدمين في المنصّات الإجتماعية يزيد، فبالتالي المحتوى يتزايد ويتكاثر، وفي المقابل معدّل الإنتباه لدى المستخدمين Attention Span يقل، بالإضافة إلى تصاعد سقف التوقعات في جودة المحتوى ومناسبته للتوجهات والإهتمامات، كُل هذا يُحيط بالعلامات التجارية من كل جانب وكأنما يتآمر للقضاء على حضورها وتأثيرها.

على الصعيد المقابل يتنعّم المشاهير بالكثير من الإنتباه والتفاعل من المستخدمين بغض النظر عن جودة ما يُقدّمون "ومن نحن حتى نحكم على جودة صنعت مئات الآلاف من المتابعين !" إلّا أن التلقائية والعفوية والمحتوى المخصص الذي يستهدف شريحة بعينها والمُقدم لهم بالطريقة التي تعجبهم هو قدم السبق للمشاهير والميزة التي قصمت ظهر البراند.

 قتل هذا التوجّه الإبداعية لدى العلامات التجارية، وقلّل من قوّة تأثيرها، وهل أصلاً الإبداعية هي ما يبحث عنه المستخدمون الآن أم أن التلقائية أصبحت المعيار الجديد للفت الإنتباه والفوز بعدد مشاهدات وتفاعل أكبر مع الجمهور !

وهنا أصِل بك إلى سؤالي، أيهما أقوى تأثيراً، مشاهير السوشيال ميديا أم العلامات التجارية ؟

الإجابة لدي هي: مشاهير السوشيال ميديا.

قد تنتهي فكرة هذا التدوينة هنا، إلّا أن لدي الكثير من التأملات حول هذا الإقتحام العظيم لأفراد قد لا يكونون شيئاً مذكوراً على السوشيال قبل بضع سنوات والآن تدفع لهم علامات تجارية كبيرة الأموال لصناعة محتوى قد لا يتجاوز الدقائق.

ما هي أسرار وأبعاد هذا "الإنقلاب" على الحكم "الشركاتي" الملل، الذي لازال يدندن علينا بحركاتٍ قديمةٍ معروفة يُمكنك التنبؤ بها ! لماذا وكيف يؤثر مشاهير السوشيال أكثر من العلامات التجارية التي لديها الموارد البشرية، المالية واللوجستية وغيرها ؟ وكيف حظوا بهذه المكانة في مجتمعاتنا من خلال حساباتهم على مختلف المنصّات !

 

السوشيال ميديا منصفة

أعتقد أن السوشيال ميديا منصفة جداً، وتعطي من يعطيها وتكافئه بالظهور والشهرة بغض النظر عن خلفيته العلمية أو الإجتماعية أو غيرهما، فقبل عدة سنوات لم نكن نعرف دحومي 999 إطلاقاً، والذي كوّن جماهيريته حول الألعاب التي يقدمها بطريقته حيث بلغ بذلك المرتبة التاسعة عشر في قائمة الشخصيات الأكثر تأثيراً في السعودية 2015 (حسب MBC) أو دارين البايض والتي كانت نقطة انطلاقها إنستقرام وبلغت بذلك أن شاركت في مسلسل سيلفي الشهير في رمضان الماضي وكذلك كونها أحد مقدمي برنامج أكشن يا عيال حيث يشاركها في البرنامج طارق الحربي (طارقوف خالدوفيسكي) وبعدد متابعين شارف على الخمسة مليون على إنستقرام. (مجرّد أمثلة سريعة لا أقصد بها أي أفضلية من عدمها.)

إذاً السوشيال ميديا لا تحابي وليس لها معايير خفيّة أو أسقُف زجاجية تمنع من وصول قصير القامة، أو صاحب الدخل المحدود، ولا تنظر إلى النسب أو العرق ولكن تنظر إلى من يُقدّم، وتعطي من يُعطي بغض النظر عن أي شيء آخر.

حاضنات ومسرّعات المشاهير

يوتيرن، سين، تلفاز11 المجتمعات الرقمية ذات الفكر، الأسلوب، والإهتمامات المتشابهة والتي تُغذي أفرادها بمحتوى ثري وأكثر عمقاً في مجالها يرضي تطلعاتهم بخصوصيتها الفريدة والمختلفة والتي تمتلك الكثير من التأثير والمتابعين ومئات الآلاف من المشاهدات على قنواتها على اليوتيوب من خلال برامجها المختلفة.

هذه القنوات تعمل كحاضنة مواهب وشخصيات ذات محتوى، فكر وأسلوب معين وتدعمهم بتطبيق معاييرها على محتواهم وتقوم بتوزيعه على قنواتها التي تمتلك الكثير من المتابعين، فبالتالي يحضى هذا الموهوب بالكثير من الحفاوة والترحيب والشهرة والقبول.

العفوية والتلقائية

بعض مشاهير السوشيال لا يملك سوى تلقائيته وشخصيته العفوية المرحة، حيث يستطيع أن يصنع شي من لا شي، فيُعجب به الجمهور ويتابعوه لشخصيته وعفويته وتلقائيته.

وكما ذكرت آنفاً، في السوشيال ميديا قد ولّى زمن الفخامة والتعقيد، وأصبح السهل البسيط العفوي العادي التلقائي هو الجميل والأكثر جاذبية وتأثيراً.

الكوميديا والترفيه

لا نستطيع إنكار أن عدد كبير من مشاهير السوشيال يدورون حول هذه الدائرة ويجدون فيها مدخلاً عظيماً لقلوب عامة الجمهور، وهي التي تتمحور حولها معظم صناعة محتوى القنوات الثلاث يوتيرن، سين وتلفاز11. ولا شك أن الكوميديا دائماً جذابة ولا يرفضها أحد، ونحب من يُضحكنا ويصنع يومنا، ولعل هذا من أقوى ما صنع الجماهيرية الكبيرة لهؤلاء المشاهير.

وهنا أتسائل، هل هذا مؤشر إلى أن الفرد الموهوب والمستقل هو الذي سيقود التأثير في مستقبل الكثير من قطاع الأعمال في مجالات معينة !

 

قوّة الفرد الواحد المستقل في قطاع الأعمال

قبل أن تبدأ التفكير في هذا العنوان خذ هذه الأمثلة:

أوبر

كأحد أكبر وأعظم الأمثلة على ريادة الأعمال في هذا العصر وبقيمة سوقية تزيد عن 60 مليار دولار تعتمد بشكل رئيسي على قوّة الفرد المستقل وليس الموظف الأمر الذي يفتح المجال على مصراعيه للشركة كي تتعاقد مع أكبر عدد ممكن، وكلٌ يكسب حسب أدائه، فبالتالي استفادت الشركة من الفرد المستقل وهو وحده المشغل الرئيسي لعمليات الشركة.

أير بي اند بي

كذلك هي عبارة عن مجموعة منازل لأشخاص مستقلين يقومون بتسويق منازلهم على منصّة واحدة وبذلك لا تحتاج الشركة أن تشتري منزلاً قط، فاعتمد المشروع برمته على قوة الفرد الواحد المستقل، وعلى عرض منزله في الموقع، لتصبح أكبر شركة لتأمين المساكن ولا تملك بيتاً واحداً.

منصّات السوشيال ميديا

بشكل أو بآخر، لم ولن تكن لتصل هذه المنصات لما وصلت إليه إن لم تعتمد بشكل كبير على الأفراد المستقلين الذين يقدمون محتوى مختلف كل يوم، فيجذبون عدداً أكبر من المستخدمين ليزيد بذلك تَبعاً سعر الإعلان على تلك المنصّة، إذاً الأفراد هم من يُشغّلون هذه المنصّات حرفيّاً.

توجّه الشركات إلى التعامل مع "الفري لانسرز" والأفراد

عن تجربة شخصية ألاحظ أن المستقلين في المشاريع الفنية والتقنية مثل التصميم، والبرمجة، وبعض أعمال التسويق وفي أحيان كثيرة أجد نتائجهم أجمل من نتائج الشركات، وأكثر مرونة وأقل تكلفة، وأكثر إبداعية وحريّة وجرأة في الإنتاج والإبتكار من الشركات، فليس لدى هذا المصمم creative manager أو مدير إبداع يوجّه عمله كيف يريد لا كيف يراه ويتذوقه المصمم، أو مدير تسويق يضيّيق على نتائجه الخناق، هو حُرٌ طليق يملك وقته والحريّة المطلقة في التفكير والإنتاج. أعلم أن العصف الذهني وروح الفريق أمرٌ جميل، إلّا أني أعتقد أن لكل إنسان زاوية خاصة فريدة به يرى ويحلل بها هذا العالم ويصل إلى إستنتاجات وتفاصيل لها لمسة ونكهة مختلفة لا تجدها إطلاقاً عند غيره. 

وقد تعاملتُ شخصيّا مع الشركات ومع الأفراد في أعمال شتّى، وقد وصلتً إلى أن التعامل مع الأفراد حقّاًَ تجربة ممتعة ناهيك عن قوّة النتائج والوصول إلى الأهداف المرجوّة بسهولة أكبر بكثير من الشركات.

مبدعنا المتألق عبدالعزيز الجفن والمشاريع العظيمة التي يقوم بها لشركات كبيرة كان بإمكانها التعامل مع شركات تسويق أو تصميم "لضمان جودة العمل" أو "الإحترافية" إلّا أنها اختارته وذلك لأنه حقّاً مُبدع، ولأن التوجّه أصبح نحو الحصول على أفضل النتائج بغض النظر عن الكيفية وإن حتّمت التعامل مع فرد مستقل قد لا يكون له كيان تجاري.

صناعة الموضة والتوجهات

الآن الأفراد المؤثرون على كافّة الأصعدة الأزياء، التقنية، الرياضة، الفن، الطبخ وغيرها لديهم قوّة وتأثير ليغيروا في التوجهات والموضة وابتكار صرعاتهم التي تؤثر على متابعيهم والذين يشكلون غالبية مستخدمي السوشيال ميديا، فحب المتابعين لهذه الشخصيات يجعل من السهل التأثير عليهم.

 

هل سيلتف مستقبلاً رواد الأعمال حول قوّة الفرد ويعتمدوا عليها في إنجاح مشاريع في مجالات معينة ! هل سيستحوذ الأفراد والمشاهير على اختلاف مجالاتهم على جزء كبير من القوّة والنوافذ التسويقية للعملاء ! وهل ستصبح قصّة ذلك الفرد خلف تلك العلامة التجارية أمرٌ أساسيّ ! أم هل سيصبح من يعمل بشكل مستقل أكثر طلباً من الشركات في الكثير من الأعمال الفنيّة والتقنية !