شِـنكَـــار

لا نستطيع أن نُنكر أن البعض يربط كلمة "تسويق" بكلمة "إعلانات" وأنها تكاد أن تكون هي التسويق في أذهان الكثير خاصة غير المتخصصين، وألتمس هذا لدى الكثير من عملائي عندما يقولون "نحتاج تسويق" في سياق قولهم "نحتاج إعلانات" أو العكس.

يتبادر إلى ذهني هنا "المخرج والممثل" وعلى الرغم من أن الممثل هو من يأخذ معظم الاضواء والشهرة، إلّا أن المخرج، القصة، السيناريو، التصوير، الإضاءات، المؤثرات البصرية والصوتية هي من صنعت معظم هذا التألق وليس الممثل وحده، وقد يضيع حظ الممثل من الفلم في سيناريو ضعيف. وقد رأينا الكثير من الأفلام لممثلين عظماء خذلتهم القصة، أو أن المخرج لم يوفّق في إخراج الفلم بالصورة التي يجب، فيبوء الفلم بفشل ذريع رغم قوّة الممثل. 

كذلك التسويق والإعلان، والتكامل بين القوّة الإعلانية والتي تتمثّل في التصميم، الكتابة، الوعود "والهلّيلة" التي يصنعها الإعلان، وبين تجربة العميل بعد رؤية هذا الإعلان إبتداءاً من أول تواصل له معك على تويتر مثلاً.

انا أفهمُ جيداً كم هو ممتعٌ نجاح الحملة التسويقية وكسب عملاء جدد وصوتُ صندوق الكاشير الرنّان الذي لا يقف وتضخّم الإيرادات، ولكن أفهم جيداً كذلك حجم الألم والخسارة حين يرى 10 آلاف متابع لك في تويتر أحدهم "يمنشنك" قائلاً: "خدمتكم زي وجيهكم"

 

كنتُ قد ذكرتُ في بوست على حساب الماركتر في إنستقرام "من الظُلم اختزال التسويق في الإعلانات التجارية وكسب عملاء جدد .. ولا أراهُ ظُلماً إطلاقاً إختصاره في تجربة العملاء".

لطالما كنتُ ولازلتُ أعتقد أن تجربة العملاء هي الإختبار لمدى جديّة البراند في تقديم قيمة حقيقية لعملائه أكثر من مجرّد الإقتراب منهم بما يكفي لاستراق النظر إلى جيوبهم وجذبهم للشراء، كما أنها تضع مدى طول صبر البراند في الإستمرار في إبهار العملاء بحلول نافعة وذات بُعد إنساني تحت المجهر.

 

لماذا تجربة العملاء 

ذكرتُ في تدوينة سابقة "سيناريو تسويقي" السيناريو الذي يمر به العميل للحصول على المنتج أو الخدمة ومالذي يتوقعه في كل مرحلة، وكم يعود هذا الإستثمار عليك وعلى علامتك التجارية بالأرباح بعيدة المدى والأهم أنها أكثر ثباتاً من أي استثمار آخر في التسويق على الإطلاق.

التمحور حول العميل، والهندسة العكسية بدءاً بمتطلباته واحتياجاته، وتصميم وتسهيل مراحل حصوله على المنتج أو الخدمة، هو أكبر ما يحفّز عميلك على معاودة الشراء والحديث عن تجربته لأقاربه، أصدقاءه ومعارفه، ناهيك عن تقليل تكاليف الإعلانات بسبب كثرة معاودة الشراء وحديث عملائك لعملاء آخرين عنك.

معاودة الشراء 

يعاود عميلك الشراء منك حين يرسخ في ذهنه أن عملية الشراء لديك لن تأخذ منه جهداً كبيراً لأنك صممت نظاماً لعميلة الشراء، ولن ينتظر طويلاً لأنه يمكنه الطلب عبر تطبيقك أو موقعك، وتعامل الموظفين معه في غاية اللطف لأنك تُحفّزهم وتُكافئهم على ذلك، ودائماً تُفاجئه بخصم لأنك تقوم بمراجعة دائمة على أسعارك ودراسة ما يمكن تقديم خصم فيه، أو هدية لأنك تُخصص لها ميزانية خاصة، أو حتى بمفاجئته بمعرفة طلبه بالتفصيل لأن موظفيك ونظامك الداخلي في غاية القوة والتعقيد.

التسويق الشخصي

يُفترض نحن المسوقين أن نعي جيداً هذا النوع من التسويق والذي أعتبره شخصيّاً الأقوى تأثيراً على الإطلاق، فالكلمة التي يقولها عميلك لصديقه عن منتجك أو خدمتك تصل إلى ما لا تصل إليه حملاتك التسويقية ذات الميزانيات الضخمة، وتصاميمك الرائعة وعباراتك الرهيبة، فالعميل يعلم أنك في النهاية لا تريد إلّا أن تُخرج ما في جيبه فحسب فيكون ذلك على حساب مصداقيتك وينتقل تركيز ذهن العميل من الرسائل التي تود إرسالها له إلى التصوير والإخراج والتصميم والألوان والأشكال لا غير، بينما كلمة "لا يفوتك" فقط من صديقه قد تغير فوراً مسار طريقه من منافسك إليك مباشرة.

تقليل تكاليف الإعلان

فتنتني جداً عبارة سمعتها في بودكاست "Building a Story Brand" الحلقة التاسعة، تقول العبارة "الإعلان هو الفاتورة التي تدفعها لمنتج غير رائع" وتجربة العملاء تقطع بك آلاف الأميال بعيداً عن حاجتك للإعلان، فمعاودة الشراء والتسويق الشخصي سيكونان خط الهجوم الأول في خطتك التسويقية مع القليل من الصبر و"طول النفس".

 

هل تجربة العملاء هي خدمة العملاء ؟

خدمة العملاء بحاجة إلى مسار ونظام وتوجّه تسير عليه، هذا المسار، النظام والتوجه هو تجربة العملاء، فخدمة العملاء أحد جنود تجربة العملاء وهي ما تُقدّم في كثير من نقاط الإلتقاء بينك وبين عميلك كما سيتّضح معنا لاحقاً في هذه التدوينة، لذلك تجربة العملاء هي المظلّة التي تندرج تحتها خدمة العملاء وهي التي تسُنّ النظام والقوانين المترابطة والمتصلة ببعضها وتعطي خدمة العملاء بعضاً منها لتنفيذها.

وما نراه عادةً هو أن الشركات المحلية في الغالب تكتفي بخدمة العملاء، وخدمة العملاء هذه في كثير من الأحيان تُخصص في الرد على مكالمات العميل أو إنهاء إجراء معين له بينما هي أوسع من ذلك ناهيك عن تجربة العملاء ككل.

 

تجربة العملاء لدى شركات كُبرى عالمية 

أبل، أمازون، زابوز، من أشهر الشركات التي تعتد بهذا المفهوم وتعمل به وتحقنه في الـDNA لثقافتها ونظام عملها وموظفيها.

يقول ستيف جوبز "عليك أولاً البدء بتجربة العملاء، ومن ثم العمل بشكل عكسي إلى توظيف التقنية لها، وليس العكس"، ويقول قاري فينرشوك، مؤسس فينر ميديا وأحد ألمع رواد الأعمال في أمريكا حين سأله أحد موظفيه المسؤولين عن خدمة العملاء: متى يمكنني أن أبدأ عملي الحقيقي ؟ فكان الرد: "ومتى كان عملك الحقيقي أن لا تعطي إهتماماً للعميل !"

أمّا جيف بيزوس، مؤسس ورئيس أمازون فيقول: "نحن مهووسون بالعملاء وهذا هو سبب وجود أمازون بأي شكل من الأشكال". ولدى شركة زابوس الكثير مما يُستشهد به في تجربة العملاء، فحسب توني شيه الرئيس التنفيذي للشركة "75% من طلبات الشراء من زابوس هي من معاودة الشراء".

حين تُلقي نظرة على ما تعاملت معه من هذه الشركات تجد أنك تحبّها وتشعر أنها أكثر، أعمق وأبعد من مجرد أنها تصنع وتبيع منتجات، بل هي تجارب جميلة جعلتهم مختلفين.

 

كيف تُصمم تجربة عملاء

تجربة العملاء نظام شامل، ومعظم إدارات، أنشطة وموظفي الشركة سيكون لهم دور في هذا التحدّي، لذلك وقبل البدء لا بد من العودة للوراء والنظر بأكثر شمولية إلى الإستراتيجية.

الإستراتيجية

في البداية أنظر إلى إستراتيجية البراند، ونقاط التركير الخاصة به، واجعل خطة واستراتيجية تجربة العملاء متوافقة معها، فمثلاً لاحظ الفرق بين استراتيجية مطعم صب واي وكودو في تقديم الطلبات، في صب واي تُشرف أنت على كل مراحل ومكونات طلبك من بداية صنعه إلى آخر صوص تطلبه، بينما العكس في كودو حيث نافذتك الوحيدة لطلبك هي الإستقبال فتصميم تجربة عملاء لدى صب واي تختلف عن كودو.

إنظر كذلك الفرق بين آيكيا وهوم سنتر، فطريقة عرض المنتجات واختيارك لها أشبه بالتسوق من أحد المتاجر حيث تقوم أنت بأخذ بضاعتك بنفسك حيق قد تم تصميمها مسبقاً بأن تتوافق مع هذا النوع من التجربة وكذلك الفرع بأكمله من ممرات ومصاعد وسلالم مصمم كي يتوافق مع التجربة، بينما في هوم سنتر هناك فرق، حيث يتطلب منك اختيار منتجك ولكن آلية إستلامه تقليدية حيث يقوم الموظف بإحضارها لك وقد يُساعدك في نقلها.

معرفة الإستراتيجية منذ البداية هي ما يُقنّن تصميمك للتجارب، وجعلها تسير في مسار واحد متوافق مع استراتيجية البراند ككل، ولا يتعارض مع دستوره وثقافته.

 

فهم العملاء

بالعودة إلى ما لديك من معلومات عن عملائك بما فيها من مشاكلهم، إحتياجاتهم، رغباتهم وتطلعاتهم، وبالإضافة إلى عمل بحث ودراسة عنهم وسؤالهم عن ما يريدون منك وكيف يطمحون أن تخدمهم، تبني بذلك فهماً قويّاً لا يدع مجالاً للتخمينات، وهو ما تحتاجه وما تستند إليه في تصميمك لتجربة العملاء كما في المرحلة القادمة.

تصميم تجربة العملاء عملية إستراتيجية تتطلب تدخّل عدة إدارات وجهات وموظفين لدى شركتك كلٌ حسب دوره، لذلك يُفترض أن تُبنى عن فهم حقيقي لعملائك وما يحتاجون ويريدون، حتى لا تبوء العملية برمتها خسائر في الأموال والجهود.

وفي تدوينة سابقة "يتحدثون عن علامتك التجارية" تحدثت فيه عن مفهوم الإستماع الإجتماعي وكيف يمكنك من خلاله فهم العملاء والإستماع لهم، فمنصات التواصل الإجتماعي مكتظة بالبيانات عن العملاء، وقد تكون هي الأقرب والأكثر شفافية من الكثير من المصادر الأخرى لجلب معلومات عن العملاء.

الموظفون بخدمة العملاء ومن لديهم تواصل مباشر أو غير مباشر بالعملاء يملكون أهم وأخطر البيانات عن العملاء، فهم خط الدفاع الأول لهجمات العميل الغاضب والمتذمّر، وهم كذلك أول من يستقبلون الإطراء والثناء والرضا من العميل، لذلك وبالتأكيد هم من أقوى مصادرك في هذه المرحلة وقد تجد لديهم من البيانات التي تهم علامتك التجارية ما لا تجده في أي مكان آخر.

إجمع البيانات، أدرسها وحللها واقرأ ما بين السطور فقط يكون أهم مماعليها، فالتجربة الفريدة الدقيقة يحترمها العميل كثيراً وتؤثّر عليه وتعظّم إحترامه لك ولفهمك لمتطلباته، وهذه المرحلة هل اللبنة الأساسية للمرحلة التصميم التالية.

 

التصميم

في أول تدوينة كتبتها على الإطلاق "التفكير التصميمي بعين ماركتر" تناولت فيها علاقة التفكير التصميمي الحميمة بتجربة العملاء وأنه أقوى الأدوات التي تسهّل تصميم تجربة عملاء تتمحور حول العميل، وتركز عليه. ولكن كيف نصمم هذه التجارب وأين ومتى !

1: حدد وصمم نقاط إلتقائك بعميلك

حتى تتضح لك الصورة كاملة وتبني فهماً شاملاً عن النقاط التي يمر بها العميل في رحلته إليك لشراء منتجك أو خدمتك لابد أن يكون لديك مخطط يوضّح نقاط التقائك بعميلك تبدأ من إعلاناتك إلى كسبه كعميل دائم يحمل لك من الولاء ما يحفّزه للشراء مرة أخرى ومعه عميل آخر.

لكل براند نقاط إلتقاء بعملائه، قد يختلف طول الرحلة وعدد النقاط، لكن لابد من تحديدها حتى تستطيع تحديد وتصميم تجربة العملاء بسهولة أكبر وبإحترافية أكثر، كما سيسهل عليك قياسها ومعرفة أماكن الخلل والضعف في هذه الحلقة المترابطة.

نقاط الإلتقاء هي النقطة التي يلتقي فيها العميل بعلامتك التجارية بأي شكل من الأشكال، الإتصال، حسابات السوشيال ميديا، الفروع، خدمة العملاء، نقاط البيع، خدمات ما بعد البيع، خدمات وباقات المكافئات، المنتج أو الخدمة ذاتها .. وقد تختلف هذه الخدمات وتزيد وتنقص حسب آلية عملك.

لكن عند بدء العمل على تصميم تجربة العملاء يتوجّب تحديد هذه النقاط بالترتيب ورسم مخطط يوضّح علاقة نقطة بالتي تليها، ومالذي يحفّز العميل في هذه النقطة لينتقل للأخرى ومالذي يجعل عميل يعود إلى النقطة التي قبلها ؟ وهكذا.

مثال: لنفترض أنك الماركتر في شركة متخصصة بخدمات برمجة مواقع وتطبيقات، حملتك التسويقية هي المنفذ الأول للعملاء إليك، أنت من يوجههم إلى الآلية التي تريدهم أن يتواصلوا معك من خلالها، لذلك في كل إعلاناتك التجارية والمحتوى الذي تتواصل به معهم توضّح فيه الأرقام أو الحسابات الإجتماعية أو الإيميلات التي ترغب من العملاء التواصل معك من خلالها. وهنا تتسائل، كم عدد الموظفين الذين أحتاجهم لتقديم خدمة رد سريعة لا تزيد مثلاً عن 3 ساعات  (أو حسب ما تعد به عملائك) ؟ ما هي المعلومات التي يجب أن تتوفر لدى الفريق وما هي المواد التدريبية التي يحتاجها الفريق ليعكس إستراتيجية وثقافة الشركة في أسلوب التعامل وجودة الخدمة ؟ ما هي النقطة التالية التي يُفترض أن يُحفز فريق العمل العملاء للسؤال عنها أو الإنتقال لها (مثل زيارة الفرع، أو طلب تسعيرة أو إجتماع) وغيرها من الآليات والأساليب التي يتوجّب على فريق العمل المحافظة عليها وتقديمها للعملاء دائماً لكي تضمن إستمرارية التواصل ولخلق صورة ذهنية رائعة وتجربة عملاء تستحق الإحترام.

2: حدد مالذي تريده من هذا التصميم 

وفي هذه المرحلة من التصميم يكون الكثير من البحث وجمع المعلومات والتحرّي، والكثير من التساؤلات مثل، ماهي العقبات التي تعيق العملاء من التقدّم إلى مرحلة الشراء، لماذا هذا الإزدحام في صالات الإنتظار، لماذا ينتظر العملاء كثيراً على الهاتف للوصول إلى ممثل خدمة العملاء، لماذا لا يتحصّل العملاء على رد سريع على حسابك على تويتر، الحركة والتنقّل داخل الفرع غير عملية وليست مريحة، أو قد يكون تساؤلاً عاماً مثل هل لدينا نظاماً متكاملاً لرحلة العميل منذ رؤية الإعلان حتى الحصول على المنتج هذا في حال لم يكن لديك نظاماً واضحاً يُحدد جميع نقاط الإلتقاء بالعميل.

العملاء، الموظفون والبيانات التي تملكها الشركة عن العملاء تملك الكثير من البيانات والتي قد تهديك إلى بصائر تحتاج إليها كثيراً في المرحلة التالية من التصميم وهي مرحلة التحليل، تواصل مع عملائك، إسألهم عن تجربة الإتصال عليك، تواصل معهم على تويتر واسألهم عن آخر مرة زاروا فيها الفرع كيف كانت الخدمة وأين كانت التحديات والمشاكل.

الموظفون وبالأخص موظفوا الإستقبال وخدمة العملاء لديهم الكثير والكثير مما قد يفاجئك عن عملائك، لأنهم خط الدفاع الأول لك والدروع الحصينة لكل الشتائم والتذمّر، وهم من تمر عليهم كل أنواع المشاكل التي يمر بها العميل، فالإجتماع بممثلي خدمة العملاء وأخذ آرائهم وما لديهم حول العملاء خطوة مهمة جداً.

هنا تُؤخذ البيانات التي تم جمعها في المرحلة السابقة وتوظيفها في تكوين صورة شاملة عن المشكلة حتى يتم البدء في المرحلة التالية وهي التحليل.

3: التحليل

هذه المرحلة هي التمهيد للمرحلة التالية وهي "خلق الأفكار والحلول" لذلك يتم دراسة المشكلة بشكل عميق وربط النقاط ببعضها فقد تُكتشف حلقات مفقودة أو قد تظهر مشكلة أخرى هي المتسبب الأول للمشكلة الأساسية ويتوجّب البدء بها. مثال: (قد تبدأ العمل على حل مشكلة ضِيق الفرع وصعوبة الحركة والتنقّل داخله وتكتشف بعد التحليل أن التصميم الداخلي للفرع من الأساس لم يكن صحيحاً لذلك تتوسّع دائرة المشكلة وتتوسّع معها دائرة الحل وتنتقل إلى زاوية أخرى في العمل على المشكلة)

مثال آخر (عند العمل على حل لتكدّس عدد الإتصالات وطول فترة الإنتظار للعملاء، فقد تكون أساس المشكلة هي أن 90% من العملاء المتصلين يشتكون دائماً من صعوبة فهم طريقة عمل المنتج أو يسألون عن موقع الفرع لذلك تتحوّل المشكلة من الإتصالات إلى تثقيف العملاء وإضافة معلومات أكثر وضوحاً مع المنتج)

بعد تحليل البيانات وتحديد المشكلة بالتواصل مع المعنين من العملاء والموظفين ومراجعة نظام الشركة وثقافتها وكيف تعمل تنتقل إلى مرحلة الأفكار والحلول.

4: الأفكار والحلول

في هذه المرحلة أنت لا تبحث عن حل واحد ولا عشرة أن تبحث عن توسيع نطاق التفكير في إيجاد الحل، لذلك كل الأفكار مقبولة ومعقولة مهما كانت مجنونة وغير عقلانية، فقد تأتي هذه الفكرة الغريبة بحل لا يمكن الوصول إليه في حال كانت طريقة التفكير في نطاق العقلانية والإمكانية.

تؤخذ وتسجّل كل الأفكار، وتُصنّف إلى فئات حسب آلية عمل الفريق، كل فئة تدور حول فكرة أو نوع واحد من الأفكار وهكذا، إلى أن نُستنزف كل العقول المشاركة في  العصف الذهني وتتوفر الكثير من الأفكار تبدأ مرحلة النقد والفلترة.

وفي هذه المرحلة تُفلتر الأفكار، ويُربط المتشابه منها ببعضها البعض لتكوين صورة أكثر تكاملاً، وتُنتقد الأفكار ومدى نفعها وقوتها وفائدتها للعميل، لأننا كما ذكرنا سابقاً أن العملية برمتها هي لإيجاد حلول تتمحول حول الإنسان وهو العميل في هذه الحالة.

5: النمذجة

وهنا تُؤخذ الأفكار المنتقاه من المرحلة السابقة ويتم تصميمها في نماذج أولية يمكن تطبيقها وتجربتها ومعاينتها من العميل بشكل مباشر، لأن المرحلة التالية هي مرحلة الإختبار لهذه النماذج لذلك التصميم لهذه النماذج لابد أن يكون كاملاً من حيث الـFunction أو الوظيفة الخاصة به.

فمثلاً في مثالنا السابق وهو التصميم الداخلي للفرع، يقوم الفريق بتصميم الفرع كاملاً من الداخل من حيث وظائفه ومن حيث وجهة نظر العميل، من البداية وقد تكون مرحلة الطلب أو الإستقبال، فمثلاً يكون من ضمن التصميم أن تكون هناك قائمة طعام واضحة لدى الجميع كما هو معمول به في فروع مطعم البيك، فمهما كان طول الطابور يظل آخر عميل يستطيع رؤية القائمة المعلقة في أعلى طاولة الإستقبال واضحة ويمكن له أن يُحدد طلبه قبل الوصول مما يحفظ الوقت عن الإزحام وكذلك لكي يكون العميل على علم بالأسعار وتفاصيل طلبه.

أو في المثال الآخر الوارد أعلاه، وهو تثقيف العملاء، يقوم الفريق بتصميم آلية تنفيذ ذلك، فقد يكون بإضافة تصميم لورقة صغيرة داخل المنتج توضّح طريقة الإستخدام أو أماكن الفروع، أو إضافة إجراء إضافة رقم العميل عند الشراء يتم بعد ذلك إرسال رسالة آلية له بالمواقع الجغرافية لمكاتب الصيانة وتكون روابط مباشرة إلى الخرائط.

6: الإختبار والتوثيق 

بعد تحديد النماذج النهائية وقبل إعتمادها النهائي تقوم باختبارها على عملاء حقيقيين لقياس ودراسة ردة أفعالهم حيالها، ففي مثالنا السابق، وبعد إعداد وتصميم محتوى يُقدّم مع المنتج يوضّح طريقة الإستخدام والرسالة الآلية التي تحتوي على الموقع الجغرافي بروابط مباشرة إلى الخرائط، تقوم بتفعيل هذه الخدمة على شريحة محددة من عملائك لفترة معينة لدراسة ردّات الفعل وهل فعلاً هو الحل الذي يخفف الحمل على ممثلي خدمة العملاء بالتالي تقليل فترة الإنتظار للعملاء الآخرين ؟

سينتج لك بعد هذا الإختبار إنخفاض في عدد الإتصالات حينها تقوم باعتماد هذا الحل وتدوين نتائجه وآلية عمله حتى يتم نشره على الموظفين ذوي العلاقة بهذه التجربة بالتحديد، ويتم تطبيق كل ما سبق من خطوات على كل تجربة من التجارب الأخرى التي تصممها على أن تكون مترابطة وتتضامن مع إستراتيجية الشركة وأهدافها.

وفي حال كانت النتائج عكسية أو لم يكن ذلك النموذج ناجحاً، يُعاد إلى مرحلة النمذجة مرة أخرى ليعاد تصميمه بالإعتماد على التغذية العكسية من العملاء الذين تمت تجربة التصميم معهم إلى أن تصل إلى الحل والتصميم الأمثل للعملاء ومن خلال آرائهم ومقترحاتهم.

 

القياس

بعد أن قمت بهذا المجهود من جمع المعلومات وتحليلها ودراستها وتصميم نقاط الإلتقاء والتجارب المصاحبة لها، ترغب الآن في آلية لقياس مدى كفاءة هذه التجارب ونجاح الموظفين القائمين على كلٍ منها.

ويمكن قياس هذا التجارب بعدة آليات تختلف باختلاف التجارب، وكما نرى لدى بعض شركات الإتصالات التي تضع تقييماً بعد إنتهاء الإتصال يقوم بسؤالك عدة أسئلة عن جودة الخدمة وإن كان الموظف قد حل مشكلتك بالشكل المطلوب أو لا وتقوم أنت بالإختيار، هذا الإختيار هو ما تقيس به هذه الشركة مستوى الخدمة في هذه النقطة بالتحديد. ورأيت في بعض البنوك جهازاً عند الصرافين ومكاتب خدمة العملاء يحتوي هذا الجهاز 4 إختيارات تحدد مستوى رضاك عن الخدمة وهذه آلية قياس أخرى.

ومن رأيي، القياس ليس في إختيار الآليات المناسبة للحصول على أرقام فحسب، ولكن هناك الكثير والكثير مما يمكن للموظف أن يقوله عن ردات فعل العميل سواءاً شفهياً أو من خلال لغة جسده الصامته وأسلوب كلامه وتعبيره، فالموظفون في هذه النقاط هم المصدر الحقيقي للبيانات التي يتم قياس تجربة العملاء بها.

كذلك "الإستماع الإجتماعي" في منصّات التواصل الإجتماعي لغرض القياس، فبالأمس رأيت عميلة لشركة أثاث عالمية تتذمّر من السعر مقابل خدمات التوصيل، لم يكن التجاوب معها جيداً على تويتر لدرجة أنه انتهى بها الأمر لإطلاق الرصاصة التي يجب على كل ماركتر الخوف جداً منها وهي "توبة أشتري منكم"، فمنصّات التواصل الإجتماعي مليئة بالبصائر والآراء عنك، فقط إختر الكلمات المفتاحية المناسبة واستكشف.

 

نشر الثقافة في الشركة

تجربة العملاء تعتمد بشكل رئيسي على الموظفين القائمين عليها، وحتى تضمن إستمرارية هذا العطاء فلابد من حقن هذه الثقافة في الـDNA للموظفين حتى يقوموا بها تعبيراً عن ولائهم وانتمائهم لعلامتك التجارية. ويكون ذلك من خلال بث الرسائل على الموظفين من خلال الإجتماعات أو عن طريق الإيميل، أو من خلال مادة تدريبة للموظفين الجدد منذ البداية توضّح فيها آلية ونظام وثقافة الشركة في هذا الشأن.

ونجاح الشركة في زرع ثقافتها في أرواح الموظفين أحد أقوى نقاط قوتها، فشعور الموظف بالإنتماء لبراند يحترم العملاء ويتعامل معهم بإنسانية ويسهّل عليهم حياتهم ويضيف عليها قيمة فريدة أمرٌ يستحق الإحترام وتفاني الموظف في إخلاصه وعطائه لهذا البراند.

ونشر الثقافة لا يقتصر فقط على الموظفين الحاليين، ولكن كذلك في مرحلة الإختيار، فاختيار الموظفين من الأساس يعتبر مرحلة حساسة في بناء فريق ذو روح وثقافة واحدة متماسكة، فتوظيف الموظف "الأنسب" أهم من توظيف الموظف "الأكفأ" فقد يكون الموظف كفأً لأداء العمل على أكمل وجه ولكن ليس مناسباً لثقافة وروح البراند وليس لديه السلوك والشخصية المتناسبة مع الفريق لذلك سيصعب على الطرفين البراند والموظف أن يتعايشا وأن يصلا إلى مبدأ وثقافة واحدة. وهذا لا يعني سوء أحدهم إلّا أن عدم التقارب في الأفكار والشخصيات أمرٌ وارد.

 

إن تجربة العملاء هي المضمار الحقيقي وما يضع البراند على المحك إذا تسائلت عن مدى قوته واهتمامه بعملائه وإبقائه عليهم، فلفت النظر وكسب عملاء جدد أسهل من إبقائهم راضيين سعيدين بما تقدّم لهم لدرجة أن يّدافعوا عنك ويوصوا بك في المجالس بدون أي مصلحة شخصية، وقد لاحظنا خلال اليومين الماضيين كيف وقف محبي تويتر معه في شائعة توقفه في هاشتاق "SaveTwitter#" فقد كان إختباراً مجانياً لمدى حب وولاء العملاء للبراند وذلك لحبهم له وللتجربة الجميلة التي خلقها لهم على مدى السنين، ولا أعلم إن كان هناك من يستطيع ان يحُل محلّ تويتر إذا أُغلق.

عملائك يتذكرون ويشاركون تجاربهم الجميلة والسيئة مع غيرهم من العملاء، فهم في كلا الحالتين سُفرائك لدى الآخرين، فتسائل ما عساهم قائلين عنك ؟

وكيف ستكون ردة فعلهم تجاه شائعة إغلاق علامتك التجارية !