كيف تلفت الإنتباه في الإزدحام الرقمي

في طريقك إلى المنزل، تسمع صوتاً عالياً لإنزلاق السيارة التي تمشي بجانبك، تلتفت إليها مباشرة وبكل تلقائية، وفي هذه الأجزاء من الثانية تتوارد لذهنك الإحتمالات بأن السيارة ستصطدم بسيارتك، أو بسيارة أخرى، وبردّات فعلٍ عفوية لجسمك تُعبّر عن قلقك وتصاعد إحتمالات الإصطدام. كان التفاتك لها بمحض اللاإرادية وبتحكمٍ تامٍ من عقلك الباطن .. ولكن .. وما أن وقعت عينك على السيارة، إتضح لك بأن قائدها كان فقط يستعرض بقدرات سيارته، وليس هناك ما يدعو للقلق. هنا وفي هذه اللحظة تحديداً، يتوقف إنتباهك واهتمامك لهذا العارض.

طيب ..

في سيناريو مطابق تماماً، ولكن، ما إن وقعت عينك على السيارة وجدت أن قائدها فعلاً فقد السيطرة عليها، وانحرفت سيارته مسرعةً نحو الرصيف وارتطمت به. 

هنا .. إستحوذ هذا المشهد على جزء أكبر من إنتباهك مقارنةً بموقفنا السابق، ولكن قد لا تتفاعل مع الحادث خاصةً أن الإرتطام كان خفيفاً نسبياً، ولم يبدو لك أن السائق تضرر مما يستدعي التوقف والإنتباه أكثر.

أوك ..

في سيناريو آخر مشابه ولكن مرعب، كان الإرتطام عنيفاً بسيارة أخرى، وبدى لك أن الحادث قوي، وأن سائقي السيارتين قد يكونان الآن في حالة خطرة وبحاجة إلى إسعاف فوري.

كان المنظر مهيباً، وكنت تحاول بقدر المستطاع أن تساعد في إنقاذهم.

هذه السيناريوهات الثلاثة في علم "الإفتان" "الأسر" أو "لفت الإنتباه" تُسمّى الإنتباه اللحظي، الإنتباه القصير والإنتباه الطويل، حسب الكتاب الذي إستحوذ على كل انتباهي من "البراقراف" الأول، وقبل ذلك إسمه الآسر "كابتيفولوجي" "Captivology" للكاتب Ben Parr.

 

أقرأ الآن في الشابتر الأول، والذي يتمحور حول هذه المراحل، وسأتحدث في هذا المقال عن

- مراحل الإنتباه

- الإزدحام الرقمي

- وكيف تستحوذ على الإنتباه 

 

مراحل الإنتباه

في السيناريو الأول كان الإنتباه تلقائي وبدون تفكير أو إتخاذ قرار، وهو"الإنتباه اللحظي" أو "Immediate Attention".

في السيناريو الثاني، كان الإنتباه أطول من السيناريو الأول ولكن لازال قصيراً لذلك يُسمى "الإنتباه القصير" "Short Attention"

في السيناريو الأخير كان الإنتباه أطول بكثير لدرجة أنك قمت بالتفاعل مع الحالة، وهو "الإنتباه الطويل" أو "Long Attention".

تمام ..

قد تتسائل .. كماركتر، لماذا أتحدث عن الإنتباه وأنواعه ! ولماذا أقرأ هذا الكتاب من الأساس ! ولماذا الكاتب أصلاً قام بتأليفه !

 

الإزدحام الرقمي

في عالمنا الحالي، والذي تغلب عليه الرقمية، أصبح حجم المحتوى الذي يُبث ونتعرض له في كل دقيقة كبير بل ضخم جداً.

هل يمكنك التخيّل أنه وحسب الكتاب، في 1986م كان حجم المعلومات التي يتعرض لها الشخص في اليوم الواحد تعادل 40 صحيفة. في 2006 حجم المعلومات التي يتعرض لها الشخص الواحد في يوم واحد تضخم إلى ما يعادل 176 صحيفة، وفي 2014 أصبح حجم المعلومات التي يتعرض لها الشخص الواحد في يوم واحد فقط تعادل 7 DVD وفي ازدياد .. طبعاً نحن هنا نتكلم عن كم غير طبيعي من المعلومات من صور، مقاطع فيديو، المقاطع الصوتية، نصوص وغيرها. أضف إلى ذلك الإعلانات التي تُشعرك أنها تراقبك لتنقض عليك في الفرصة التي تلتفت أنت فيها إلى محتوى من نفس نوع منتجهم أو خدمتهم سواءاً في محركات البحث، أو في يوتيوب أو غيرهما.

"في زحمة الناس، صعبة حالتي"، هذا هو لسان حال كل براند أو شخص يبحث أن يظهر أو أن يوصل رسالته من بين هذه الأكوام من المحتوى وهذه الحشود من المستخدمين. أصبح كل براند وكل مستخدم مركز إعلامي مستقل بذاته، ينشر ما يريد من الصور، الفيديوهات والنصوص وغيرها دون الحاجة لإعتمادها أو مراجعتها من أحد، لتصبح حركة السير الرقمية، إن لائم التعبير، مكتظة بالمحتوى، وأصبح الظهور والبروز أمرٌ دونه خرط القتاد.

لكن "كلما تتطوَّر صناعة الأسلحة، تتطورت، تَبعاً، صناعة واقيات الرصاص" أي أن العلم لا يكف عن التعاظم ودائماً ما يجد حلولاً لكل شيء، أقول ذلك لأني اكتشفت أن هناك تطبيقاً لإيجاد أقرب وأنظف "أكرمكم الله" دورات مياه. True Story.

الذي أقصده هو أن الكتاب أُلِّف لهذا السبب، ليضع بين يديك الآليات التي إن اتبعتها تظهر على السطح، ويبدأ الناس بالتفاعل معك. ولكن الأمر يتطلب القليل من التركيز ، وكما يقول الكاتب: "انا لا أضمن لك بقراءة الكتاب أن تصبح Taylor Swift" 

في الجزء الأول من الكتاب، ذكر المؤلف أهم الخطوات لجذب الإنتباه وهي نظيرة للمراحل أو السيناريوهات التي ذكرتها سابقاً وهي "الإنتباه اللحظي"، "الإنتباه القصير" و "الإنتباه الطويل".

معظمنا سواءً كنا أفراداً أو شركات نسعى دائماً إلى الحصول على الإنتباه الطويل بغض النظر عن وجهة نظر المستهدف، وأنه بحاجة أولاً إلى محفّزات "Triggers" كي يراك وينتبه لك ويُعجب بك بالدرجة الأولى فضلاً عن أن يتفاعل معك.

إذاً مالذي يجب علينا فعله هنا حتى نتمكن من الإستحواذ على أكبر قدر ممكن من إنتباه وتفاعل المستهدفين من بداية إلى نهاية ما نود أن نقول ؟

 

كيف تستحوذ على الإنتباه ؟

أولاً / Ignite، أجذب الإنتباه اللحظي، ولا يكون ذلك إلا، كما في السيناريو الأول، بشي مُلفت ومثير للإستجابة التلقائية واللاإردية والذي لا يعتمد بالدرجة الأولى على المحتوى القيّم ولا الرسالة السامية، ولكن هنا نتحدث عن المحفزات مثل الألوان، الأصوات، الكلمات والجُمل الأولى التي تستحوذ على الإنتباه اللحظي الذي تحتاجه لتبث المستوى الأعلى من المحتوى لجذب الإنتباه القصير.

ثانياً/ Kindle، أعمل على جذب الإنتباه القصير، وذلك برفع مستوى المحتوى، إضافة بعض التشويق والغموض حتى تضمن إستمرارية الإنتباه لمدة أطول، ولكي توصله إلى المرحلة الأخيرة وهي الإنتباه الطويل.

ثالثاً/  Bonfire، هنا تستحوذ ليس فقط على الإنتباه ولكن يبدأ العميل أو المستهدف بالتفاعل معك. وهذه هي الحالة التي وصلت إليها أبل. فأبل ليست بحاجة للفت الإنتباه، وليس لديهم أصلاً حسابات وتواجد على السويشيال ميديا، ولكن في مؤتمرهم الأخير الذي أعلنوا فيه عن آيفون 6s، كان الكل من قنوات تلفزيونية، ومجلات وصحف، وحتى الكثير من الأفراد المهتمين بالتقنية على أهبة الإستعداد لتغطية الحدث كلمة بكلمة ومن أوله إلى آخره، وكل الأعناق إلتوت لترى ما عسى هذه العملاقة الجميلة أن تطربنا وتتحفنا به.

 

في الأخير ..

"الإزدحام الرقمي" في إزدياد، بل إن تسارع التوسّع في المحتوى الرقمي هو الآخر في تسارع، وأصبح الظهور على السطح من جهة، وكسب المصداقية، الإعتمادية والثقة من جهةٍ أخرى أمرٌ صعبٌ جداً مع توفر وسهولة الوصول للمصادر الموثوقة والمختلفة والكثيرة خاصة الأجنبية منها، ومع إطلاع ومعرفة ووعي المستهدفين العالي. 

أرى أن التخصص في مجال متفرع من تخصص رئيسي، مثل خدمة العملاء من تخصص التسويق، والتركيز عليه، والتوسع فيه والخوض في أعماقه، وتقديم علامتك التجارية أو أنت شخصياً كخبير ومطلع بشكل واسع في هذا المجال تحديداً، وباتباع الخطوات المقترحة من الكتاب سيكون لك حظاً وافراً. ولكن إبدأ بتجهيز نفسك جيداً أولاً، لأنه كما أحب أن أقول : أفضل خطة بديلة لحملتك التسويقية، هي منتج يستطيع تسويق نفسه بنفسه.