مقعد في عقل العميل الباطن

تتابع مسلسلك/برنامجك المفضل الشهير على التلفاز، تشدّك كل حلقة للحلقة التي تليها، والأحداث للأخرى. تنتظره كل يوم على موعده، وتتغنى مع موسيقى البداية الخاصة به والتي أصبحت لحناً إعتدت عليه.

من وجهة نظر البراند

في المقابل، البراند يستعرض القنوات والمسلسلات والبرامج التي يتوقع أن تستحوذ على نسبة مشاهدات عالية ليبث إعلانه في إحدى فواصله راجياً من الله ثم من العميل/المشاهد أن لا يغير القناة عند بدء الفاصل، أو يبدأ بإستخدام جواله، أو يشرع في الحديث مع من يجلس معه أو يذهب إلى المطبخ ليحضر المزيد من التسالي، أو يطرق أحدهم الباب، أو حتى أن يبدأ في السرحان.

 

البراند يستثمر لتراه 

البراند، يستثمر مبالغ كبيرة جداً لشراء مساحة للإعلان، وهو ما يُسمى بـ Media Buying، عن أحد منتجاته أو خدماته أو للدعاية لزيادة وعي الناس عن البراند وتذكيرهم به، وزيادة معدل ظهوره أمام أعينهم خوفاً من أن ينطبق عليه مثل "البعيد عن العين بعيد عن القلب." وهذه هي الإجابة لمن يسأل "لماذا تعلن بيبسي وتستثمر هذه المبالغ الكبيرة في الإعلانات رغم أنها معروفة جداً لدى الجميع ورغم شعبيتها الكبيرة والعريضة؟". تأكد أن بيبسي أو غيرها من الشركات يودون أن يحتفظوا بكل ريال بدلاً من صرفه على الإعلانات، ولكن هو شرٌ لابد منه، خصوصاً مع وجود المنافسين، الأمر الذي جعل شركة STC تكشر عن أنيابها عندما احتدت المنافسة مع موبايلي وزين، وأصبحت تعلن في معظم القنوات الأكثر مشاهدة في السعودية، وأصبحنا نرى إعلاناتها في كل شارع وبمقاسات تتفاوت لتصل لأكبر حجم ممكن مثل ما ترى من الإعلان على طرق المطارات وبعض الطرق السريعة. لماذا؟ برغم تحفظي الشديد عل أسلوبها في الإعلان، إلّا أن أي تقصير في الظهور يتحوّل إلى مبيعات لدى المنافس سواءاً موبايلي أو زين أذا كان ظهورهما أكثر.

نعود ..

في ذاك الفاصل، يبث ذاك البراند ذاك الإعلان، وتماماً كأي فلمٍ يُعرض لأول مرةٍ في صالات السينما، لا يمكن التنبؤ بردود الأفعال وكيف سيرى المشاهد الإعلان وكيف سيتفاعل معه.

هي على الأغلب عشرات الثواني فقط، يقول فيها البراند ما يود أن يقوله للمشاهد من مميزات المنتج أو الخدمة في قالب هوية البراند وفي نفس الثيم من ألوان، تصاميم وطريقة تصوير وإخراج، مع مراعاة تضمين ثوابت وقيم الشركة، والأخذ بعين الإعتبار الشريحة المستهدفة ومالذي يلفت نظرهم ويثير إهتمامهم ويحفزهم على الشراء.

 

ولكن .. هل فعلاً الإعلانات التجارية تؤثر على قرارات شرائك ؟

في اللحظة التي ينوي فيها العميل الشراء فعلياً، أين سيكون مكان هذا الإعلان من قرار الشراء؟ وإلى أي مدى سيأثر عليه؟ وهل سيتذكر العميل الإعلان؟ وإذا تذكره فهل سيكون له وزن في صنع قرار الشراء؟

في معظم الأحيان وعندما أشتري أي منتج أيّاً كان سعره أو نوعه سواءاً أجهزة إليكترونية/كهربائية، ملابس، أثاث أو مواد غذائية أو غيرها، أجد بعد الشراء أني اتخذت قرار الإختيار من بين الخيارات المطروحة بدون تذكّر أي إعلان بذاته وبدون تأثير مباشر منه.

 

إلّا أن هناك أمرٌ ما يجعلني أختار وأفضّل منتج عن آخر ...

هو إرتياحي النفسي له، وكونه مألوف لعيني، والإنطباع الذي يشعرني بالجودة، وإحساس يوحي بالإعتمادية والثقة. ولكن من أين أتى هذا الإحساس؟ وحتماً تلقيت هذه المعلومات من شخص أو جهةٍ ما أرادتني أن أشعر بذلك.

تماماً كعنوان هذا المقال، هو مقعد حجزته هذه العلامات التجارية في عقلي الباطن من خلال كل نقاط إلتقائي بها، سواءاً عبر الإعلانات التجارية، خدمة العملاء، أو من خلال المنتج ذاته.

إذاً مالفرق بين الإعلانات التجارية وبين ما أتحدث عنه؟ ولماذا بعض الإعلانات التجارية تشعرك بأن الشركة فقط أرادت أن تخسر مئات الآلاف من الريالات مقابل إعلانات تجارية ليس لها ذلك التأثير على قرارات الشراء؟ وهل فعلاً الشركة تعي بأن إعلاناتها مجرد خسائر ليس لها تلك العوائد التي تساوي حجم الإستثمار؟

تأمّل معي .. تخيل لو أزلنا العلامة التجارية وإسم البراند في الإعلانات التجارية الخاصة بالمنتجات الإستهلاكية مثل منظفات الملابس أو منتجات العناية بالجسم والشعر، فهل ستتعرف على المنتج أو العلامة التجارية؟ أو إعلانات الألبان أو العصائر التي تتشابه لحد الملل، نفس السيناريو، نفس العبارات ونفس الأسلوب.

 

كيف يُفترض أن تكون الإعلانات التجارية ؟

إذاً كيف يعلن البراند بشكلٍ يضمن له مقعداً في عقل العميل الباطن فعلياً عند الشراء، ويصبح ضمن الإختيارات الأولى؟

تأمل معي هذا الإقتباس:

Nobody counts the number of ads you run; they just remember the impression you make.

– Bill Bernbach

"لا أحد يتذكر عدد إعلاناتك، بل فقط يتذكر الإنطباع الذي تتركه"

ما هو الإنطباع Impression الذي تتركه في قلب العميل من خلال إعلانك؟ وكما ذكرت سابقاً، هو ذلك الإحساس بالإرتياح والثقة والتي ليس بالضرورة أن ترتبط بتصاميم قوية أو حجم إستثمار كبير، أو حتى إسم شركة التسويق المتكفلة بالعمل أو الشخصيات المشهورة في الإعلان هو فقط الإنطباع، القصّة وارتباط رسالة الإعلان وطريقة إرسالها بقلب العميل المستهدف تحديداً والتي تهدف أولاً أن يستمتع العميل بمحتوى الإعلان، الأمر الذي يجعل العميل يختارك لأنك تشعره بالجمال، الثقة، الإعتمادية، المصداقية، النُبل، الإهتمام، التميّز، الأصالة أو غيره...

Nobody reads ads. People read what interests them. Sometimes it’s an ad. —Howard Gossage

"لا أحد يقرأ الإعلان، الناس يقرأون ما يثير إهتمامهم وقد يكون ذلك إعلاناً"

 

هل فعلاً نرى إعلانات الشوارع ؟

كم من إعلانات الشوارع التي تمكنتَ من قراءة رسالته كاملة، نمر بمعظمها مرور الكرام وتأخذ طابع الإعلان الممل والمليئ بالعناصر التي لن يتمكن أحد من قرائتها كاملة سوى كاتبها، ومصممها ومن عمل على تثبيتها وإزالتها.

بجانب إنشغال قائد السيارة بالقيادة أو بهاتفه ليس لديه سوى ثواني قليلة جداً من الإنتباه عند مروره بجانب الإعلان، هذه الثواني المعدودة تكفي لقراءة واستيعاب جملة واحدة أو جملتين بالكثير، ناهيك عن بعض العناصر التي لا تُقرأ إلا عن قرب لصغر الخط.

 

سمعت بحملة إيكيا للكتاب الذي سيجعل أيامك أفضل ؟

في 2014 قامت آيكيا بحملة تسويقية لكاتلوجها القادم، كانت حملة قوية جداً وتكاد تستحوذ على كل المساحات الإعلانية في الشوارع كانت تتحدث عن الكاتلوج على أنه كتاب ملهم، وسيغير حياتك وواسع الإنتشار ويُطبع منع 210 مليون نسخة. 

إعلان إيكيا الكتاب
إعلان إيكيا الكتاب
إعلان إيكيا الكتاب 210
حملة إعلان إيكيا الكتاب

بالرغم من أن عامة الناس أبدوا تحفظهم على تويتر تجاه الإستراتيجية على الهاشتاقات (#الكتاب_الأكثر_انتشارا_في_العالم) و (#إيكيا_تستخف_بعقولنا)، أنها محبطة وأكبر من أن تكون مجرد كاتلوج، إلّا أني أعتبرها واحدة من أنجح إعلانات الشوارع التي رأيت.

ولو تأملت الإعلانات تجد أن الرسالة كانت واضحة جداً وقصيرة وبخط كبير وواضح، فهِم الرسالة واستوعبها الجميع وإلّا لما شعروا بالإحباط، وكما يقال "حجم الإحباط بحجم التوقعات".

وأنت !

إذاً .. ماهي رسالتك؟ ما مدى عمقها؟ كيف ستغلفها وتهديها لعملائك بقالب يرتبط بهم وبمشاعرهم ولا ينسونه؟